فقد فهم منها العديد من الفقهاء أنّ الأخ ثبتت له ولاية التزويج على أخته ، وأنّها لو لم تثبت فلا معنى للعضل هنا ، فلو كان لها أن تتزوّج من دون أخيها فلا معنى لاحتياجها إليه ، فمن كان أمره لنفسه لا يقال بأنّ غيره منعه ( انظر - على سبيل المثال - ابن حجر ، فتح الباري 9 : 161 ) .
ولكنّ هذه الرواية ، لو غضضنا النظر عن كونها خبراً آحاديّاً ظنيّاً لا أرى الاحتجاج به في الأمور الشرعيّة ، لا تدلّ - من وجهة نظري المتواضعة - على أنّ الشريعة قد منحت الأخ ولاية زواج أخته ؛ فربما كانت قد فوّضت أمر زواجها إلى أخيها ولو بحسب العرف السائد آنذاك ، فعمل على ما هو العرف المرضيّ عندها ، ولهذا عندما منعها في المرّة الثانية وكانت تريد زوجها السابق نزلت الآية لتمنعه من هذا الأمر ، وتكسر إطلاقيّة هذا العرف الاجتماعيّ .
وهذا ما يدفعني - استطراداً - للإشارة لأمر مهم جداً في فهم الظواهر الممضاة من قبل الشريعة في العصر النبوي ، فإنّ العرف لو كان قائماً على نوع من التعاقد الاجتماعي المتفق عليه بين أفراد الأسرة والمجتمع ، ويقضي بنوع ولاية وسلطنة للأخ على أخته ، ثم جاءت الشريعة وسكتت عن سلطنة الأخ على أخته ، ففي هذه الحال لا نستطيع اعتبار السكوت الشرعي دليلًا على ثبوت السلطنة في أصل الشرع ، بل هو دليل على رضا الشرع بالتعاقد الاجتماعي القائم والمنتج لهذه السلطنة ، وعدم ممانعة الشريعة من هذه السلطنة عندما يرضى بها المجتمع ويتوافق عليها الأفراد ، فإذا تغيّر العرف الاجتماعي وزال هذا التعاقد والتراضي المجتمعي لم تعد هناك سلطنة ؛ لأنّ هذه السلطنة متفرّعة على التعاقد الممضى شرعاً ، وليست ناتجة عن إثباتها بنفسها في أصل الشرع . وحادثة معقل بن يسار لا تعطي إلا سكوت الشريعة عن عمليّة تزويج الأخ لأخته ، لكنّ ذلك لا يُثبت
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 582
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٨٢