نصوص القرآن والسنّة ، فالحقّ في ردّ العدوان حقّ شرعي ثابت ومقبول أخلاقيّاً ، ومن اعتدى فإنّه يصحّ أن يُعتدى عليه بمثل ما فعل ، لكن في المقابل يؤكّد النصّ الديني على دفع السيّئة بالحسنة وأنّ هذا لا يكون إلا لمن هو ذو حظّ عظيم ، فمن واجهك بالسيّئة فواجهه بالحسنة ، فهنا مبدءان : مبدأ المواجهة بالمثل ، وهذا حقّ مشروع أخلاقيّاً ، وهناك مبدأ العفو والصفح ومقابلة السيّئة بالحسنة ، وهو أيضاً مبدأ أخلاقي ، ورغم أنّ ترجمة المبدئين قد تبدو متناقضة في كثير من الحالات ، إلا أنّه يمكن تقديم تفسيرين لمثل حالات التناقض هذه :
التفسير الأوّل : إنّ النصوص الدينية تؤسّس أو تكرّس القواعد الأخلاقيّة ، ولكنّ تطبيق هذه القواعد يجب أن يكون محسوباً من قبل الإنسان ، من حيث إنّ الحالة التي هو فيها هل يناسبها تطبيق القاعدة ( أ ) أو القاعدة الأخلاقيّة ( ب ) ؟ فتطبيق القواعد راجع إلى دراسة الإنسان للظروف الموضوعيّة ، بينما النصّ يشير إلى شرعيّة القواعد الأخلاقية نفسها ، وأنّها مما ينبغي أن يقع أو أنّ وقوعها أمر مقبول أخلاقيّاً ، فليس المهم أن آخذ القاعدة الأخلاقيّة فقط ، بل المهم أن أنظر أيضاً في أنّ الحالة التي أنا فيها هل موضوعها القاعدة الأولى أو الثانية ؟ وهذا باب عظيم يفتح على الكثير من إعادة فهم القضايا الأخلاقيّة ، ويحتاج لمراجعة النصوص الأخلاقيّة الدينية بطريقة أخرى أيضاً .
التفسير الثاني : إنّ النصوص الدينية تؤسّس القواعد الأخلاقيّة أو تكرّسها ، لكنّ القواعد نفسها متفاضلة وذات رُتَب ، فأنت من الناحية الأخلاقيّة لو عاقبت بالمثل لكان ذلك أمراً أخلاقيّاً ، لكن لو عفوت لكان ذلك زيادة في الروح الأخلاقيّة وهنا لا نقول بأنّ المعاقبة بالمثل قبيحٌ أخلاقي ، بل نقول بأنّ ردّ السيّئة بالحسنة هو أفضليّة أخلاقيّة .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 554
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٥٤