تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
والحالات المختلفة ، وليست أحكاماً مطلقة لا نسبيّة ولا تخصيص فيها أبداً ، فالكذب يمكن أن يصبح واجباً أخلاقيّاً ، والصدق يمكن أن يصبح مذموماً أخلاقيّاً في ظرفٍ ما ، ونادرة هي القيم الأخلاقيّة العليا التي لا تقبل طروء ظرف ثانوي عليها قد يغيّر منها ، وهذا يعني أنّ قيمة التسامح وأمثالها قد تصبح غير محمودة عندما تكون تجاه من لا يفترض التسامح معه ، ولهذا كان المؤمنون أشدّاء على الكفار الذين يحاربون الإسلام ، ولهذا كان مبدأ : لا تعطيل في الحدود . ومن ينتصر لمثل دعاء صنمي قريش بإمكانه أن يقول بأنّ هذه اللغة لا تناقض لغة دعاء مكارم الأخلاق ؛ لأنّ لغة دعاء مكارم الأخلاق هي لغة العلاقات الشخصيّة التي تقع بين الناس ، أمّا لغة دعاء صنمي قريش فهي لغة الموقف الديني والتاريخي من قضيّة ليست شخصيّة ، وإنّما تشكّل جزءاً من الوعي الديني عامّة ، وبعبارة أخرى : لغة مكارم الأخلاق هي لغة الحقّ الشخصي والخاص ، أمّا لغة دعاء صنمي قريش وأمثاله فهي لغة الحقّ العام والقضيّة العامّة ، بل حتى القضايا العامّة والشخصيّة تقبل العكس أيضاً تبعاً للظروف والحالات ، وقد يبرّرون لك هذا الأمر بهذه الطريقة في مثل دعاء صنمي قريش وقضايا اللعن ، بحيث يكون ذلك استثناء لازماً تحتاجه القضيّة في إطار غير شخصيّ . فالمؤمنون يعفون عن الناس كما جاء في القرآن الكريم ( آل عمران : 134 ) فهل هذا يعني أنّ الحاكم المؤمن المثالي هو الحاكم الذي يعفو عن المجرمين واللصوص والقتلة ؟ ! ولا بأس أن أشير هنا أيضاً إلى قاعدة عامّة من الضروري فهمها ، وقد تكون ذات صلة بموضوعنا ، وهي أنّ القيم الأخلاقية قد تكون صحيحة كلّها رغم تعارضها ، لكنّها تتفاضل أو تتباين دوائرها ، وهذا موضوع يفسّر لنا الكثير من
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 553 | حيدر حب الله