فتأمّل جيداً في الموضوع ، فهو نقطة اختلاف منهجيّة كبيرة ، فهذا أشبه شيء بالفيزياء الكميّة عندما تقول لنا بأنّنا عندما ندخل عالم الذرّة فسوف تتلاشى كلّ الأنظمة التي كانت تحكم العالم من قبل ، وكنّا نتصوّر أنّها قادرة على حكم كلّ شيء ، فإذ بها لا تحكم أعماق الذرّة وأسرارها .
ثانياً : لنفرض أنّ الله لأنّه كريم خلق الخلق كي يمنحهم فرصةً للسعادة ، بعبادته ومعرفته ، دون أن يحتاج هو إلى عبادتهم ومعرفتهم له ، فهو شخصٌ - مثلًا - ينكر ذاته ولا يريد شيئاً من وراء أفعاله لنفسه ، بل كلّ ما يريد هو أن يُسعد الآخرين ، فخلق ( الآخرين ) كي يمنحهم فرصة السعادة ، فإذا عملوا واستغلّوا هذه الفرصة اكتسبوا السعادة في الآخرة ، وإذا تركوها فقد أوردوا أنفسهم في الشقاء .
هذه الفرضيّة لا يوجد ما ينفيها ، وعندما نتكلّم في عالم الميتافيزيقا فيجب أن لا نقيس ذلك العالم على ذواتنا كما قلنا ، فلسنا نحن نهاية العالم وتمام وجوده ، وكلّ الفرضيات تصبح معقولة وممكنة ويجب دراستها ما لم يقم دليل علمي حاسم على بطلانها .
حسناً ما المشكلة في الفرضية السابقة ، وهي أنّ الله يعطي ، وأنّ صفة الكرم والفيض عنده دائمة ، لأنّها كمال وجودي ، ولهذا كان العالم وكانت الفُرَص ، وكان الإنسان ؟ إنّ هذه الفرضيّة ممكنة ، ولا يوجد برهان عقلي أو معطى علمي يؤكّد بطلانها ، ومجرّد أنّنا لم نثبتها لا يعني ذلك أنّها باطلة ، وما دامت ممكنة إذاً فلا موجب لاستنكار خلق الله لنا أو اعتباره عبثاً ، فأنت تمنح ولدك - أو أيَّ شخص آخر - رأس مال لكي يعمل ويبني حياته ، ولنفرض أنّك لا تريد شيئاً ، بل تريد السعادة له ، أيّ مشكلة في ذلك ؟ فإذا جدّ واجتهد كسب الفرصة ونال
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 99
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٩