لتفسير مبرّرات خلق الله للعالم يمكنني القول - على أبعد تقدير - بأنّه لم يثبت لي فائدة لخلق الله للعالم ، لكن لا يمكنني القول بأنّه ثبت لي عدم وجود فائدة ، حتى أزعم بأنّ الله قد صدر منه فعل العبث .
وهذا الأمر مرجعه إلى نقطة مهمّة في سلامة نظام التفكير ، وهي أنّ الإنسان العلميّ والأكاديمي والمنهجي عليه أن يربّي نفسه وعقله على أنّ ما أعرفه فهو واقع ؛ لأنني عرفته ، لكن ما لا أعرفه لا يعني أنّه ليس بواقع لأنني لم أعرفه ! وهذه هي نزعة التواضع في العقل ، والتي دعت إليها العقلانية النقدية المحدثة في الغرب ، بعد عصر الاغترار بالعقل وكأنّ كلّ ما لم يصل إليه العقل فهو باطل . كلا ، فما وصل إليه العقل - سلباً أو إيجاباً - بالدليل فهو صحيح ، لكن ليس ما لم يصل إليه العقل فهو باطل ؛ لأنّ العقل لم يبلغ كلّ شيء ، وهذه ملاحظة نقديّة على كثير من نقّاد الفكر الديني في العالم العربي والإسلامي ، لأنّهم ورغم دخولهم - كما يقولون - فضاء العصر ما بعد الحداثوي ، لكنّهم في تعاملهم مع الدين ما زالوا يفكّرون بطريقة العقل الحداثي الذي يقول بأنّ معيار الحقّ والباطل هو العقل فقط ، وأنّ العقل سلطان لا يمكن أن يتكلّم معه أحد ، وأنّ كلّ ما أدركه فهو صحيح وما لم يصل إليه فهو باطل ! وهي مفارقة تستحقّ الوقوف عندها في هذا المجال .
لقد كنّا دائماً نعارض اللغة الدوغمائيّة والطوباوية لبعض أنصار التيار الديني ، فيتكلّمون وكأنّهم ينطقون بلسان الغيب ، وأنّ بيدهم مغاليق السماوات والأرض ومفاتيحهما ، وأنّ ما يعرفونه فهو حقّ ، وما يجهلونه فهو الباطل المنكر ، ولأنّهم لا يعرفون العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة عارضوها وسخّفوها ! ولكنّنا نجد أنّ هذه الظاهرة لا تقف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عند التيار الديني ، بل هي - مع
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 101
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠١