الأسف - ضاربة في العمق أيضاً في بعض التيارات العلمانية والنقدية ، فبعضهم أيضاً إذا لم يثبت شيءٌ عنده أو لم يرُق له وينسجم مع مزاجه المعرفي قال عنه فوراً بأنه باطل ، وكلّ ما لا يعرفونه فهو خيال وسراب وخرافة ، وهذا هو معنى الحكمة القائلة بأنّ الناس أعداء ما جهلوا ، ولم يقل بأنّ الناس أعداء ما علموا ببطلانه ، فالإنسان بطبعه مع الأسف عندما لا يثبت شيء عنده يعتبره لم يقع ، نعم نحن لا نطالبه بأن يعتبره قد وقع ، فهذا حقّه ، ولا يلزمه أحد بأن يرتّب آثار وقوع ذلك الشيء ، لكن لا يمكنه نفيه إلا بدليل ، تماماً كما لا يمكن إثباته إلا بدليل ، وعدم الدليل على إثباته يفيد في أنه لم يثبت ، لكنّه لوحده لا يفيد في أنه قد ثبت عدمه .
وهذا بالضبط ما نقوله دوماً في حقّ العرفاء ، وأشرت إليه في كتابي ( مسألة المنهج في الفكر الديني ) ، فنحن لم يثبت لدينا صحّة دعواهم بوجود كشف وعلم حضوري بالطريقة التي يتحدّثون عنها ، لكنّنا لا نستطيع أن ننفي وقوع شيء من هذا القبيل إلا بدليل ، وعدم قيام دليل على صحّة قولهم يمكّنني من التفلّت من قولهم ولا يحقّ لهم معه إلزامي بقولهم ، لكنّه لا يسمح لي بإبطال قولهم بأنّهم قد حصل معهم ما يزعمون أو القول عنه بأنّه خرافة أو تهريج ما لم يقم عندي دليل في ذلك ، ولهذا يقول الدكتور عبد الكريم سروش في بعض محاضراته بأنّ العلوم البرهانية والتجربية علومٌ يوجد فيها حَكَمٌ يمكن الرجوع إليه لإثبات الصواب أو الخطأ ، أمّا العلوم الشهوديّة للعرفاء فهي علومٌ تفتقر إلى حَكَم ، ومن ثمّ لا يمكن إثباتها لأحد إلا عبر صيرورته عارفاً ، نعم يمكن إثبات نتائجها بالعقل أحياناً .
إنّنا ندعو دائماً لتواضع العقل وتفكيك المقولات والمفاهيم عن بعضها وعدم
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 102
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠٢