الموضوع ليس موضوع بناء وأحجار وقوّة مادية بقدر ما هو ترميز تقوم الديانات باستخدامه لإعادة تنظيم الأمور القدسيّة بهدف وضع نوع من المحاكاة الماديّة أو التنظيم المادي للأفعال القلبيّة ، فأنت تريد أن تجمع الناس للتطهّر والتوبة في موسم رهيب ويلزمك مكان لذلك ، ومن الطبيعي أن تقوم بترميز مكان معيّن سبق أن كانت له علاقة زمكانية بالتراث الديني ، لكي تربطه بهذا الهدف الذي وضعته بما يثوّر الذاكرة أو الوجدان ، هذا شيء طبيعي جدّاً ، وعليك أن تختار المكان الأنسب . .
فلماذا تمّ تفسير الربط الديني بين الصلاة والحجّ والقبلة وغيرها وبين الكعبة بالعنصر المادي ، ولم يتمّ ربطه بالعنصر الرمزي والتنظيمي الذي يعبُر المادّة إلى حيث القضيّة الروحيّة ؟ !
مثلًا الإسلام يحثّ على بناء المساجد ويرى لها حرمةً ، ويربط بها الصلوات والعبادات الكثيرة ، لكنّ هذا لا يعني ربطاً تكوينياً مادّياً صرفاً بين الأحجار أو المكان وبين العبادات المفروضة ، إنّه ربط رمزي تنظيمي يقوم على ضرورة اجتماعيّة لجمع الناس في مكان يُعطى رمزيته وقدسيّته ؛ تمهيداً لجعله مكاناً طاهراً ترتبط عناصر قدسيّته وطهارته بطهارة الأفعال التي يراد إيقاعها فيه ، فالمقدّس ضروري في حياة البشر وهذه مظاهره الرئيسة في الديانات .
أين المشكلة في الموضوع وما علاقته بقوّة البناء ؟ ! فقد يُبنى مسجد بجانب أضخم ناطحات السحاب في العالم ولا يكون بناؤه مساوياً لعُشر معشار قوّة بنائها ، لكنّه يملك مع ذلك تلك الرمزيّة والقدسية التي تحتاجها لضمّ الجماعة إلى بعضها في رحلة روحيّة صلاتية . . بما لا تملكه أضخم الأبراج الناطحة للسحاب في العالم . . لا أجد مشكلةً أبداً في هذا الأمر ، فلماذا ذهبنا ناحية الجانب المادي
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 58
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٨