تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
لهذا العمود الوهمي النازل في الأرض والمرتفع إلى عنان السماء ، وهذا يشبه ما يقوله الفقهاء في بحث القبلة ، حيث القبلة ليست البناء نفسه ، كيف وقد تغيّر البناء عدّة مرات عبر التاريخ ليزيد وينقص طولًا وعرضاً ، بل هو هذا العمود الافتراضي ، ولهذا أنت عندما تصلّي في الطابق المائة من البناء تتجه نحو الكعبة ولو كنت في الحقيقة متجهاً نحو نقطة تقع أعلى الكعبة . ثانياً : لنفرض أنّ بناء الكعبة جاء بعمليّة إعجازيّة ، وأنّ بعض النصوص الحديثيّة تشير إلى هذا بصرف النظر عن حجم الوثوق بها ، لكنّ كون البناء قد تمّ بتدخّل إلهيّ إعجازي لا يعني أنّ البناء بعد تمامه يخضع دوماً للبُعد الإعجازي في استمراريّة وجوده ، هذا شيء لا تحكي عنه النصوص القرآنية ولا متواتر السنّة النبويّة ، وغاية ما بأيدينا أنّ الكعبة قد يحصل تدخّل إلهيّ في مواقع خاصّة وحالات استثنائية لحمايتها وليس بشكل دائم ، ولا يرجع ذلك إلى الأحجار التي بُنيت منها الكعبة ، فلم تنزل من العالم العلوي ، وإنّما لرمزيّتها الدينية والقدسية في الإسلام ، والتدخّل الاستثنائي قد يحصل في مواضع أخَر غير الكعبة أيضاً . ثالثاً : لنفرض أنّ الكعبة تهدّمت ألف مرّة ، ومع ذلك أمر الله الناس بالحجّ إليها ، كيف عرفنا أنّ الأمر الإلهي بالصلاة والحجّ للكعبة مرتبط منطقيّاً بنوعيّة حجارتها أو بنائها أو متانتها أو غير ذلك ؟ ! إنّ القمني من أدرى الناس بالرمزيّات ، فالكعبة عندما يتمّ توجيه الناس إليها بوصفها قبلةً للمسلمين ومكاناً للحجاج والمعتمرين لا يراد منها البعد المادي الصرف بالضرورة ، بل هي رمزيات لتوحيد المسلمين أو لإقامة فريضة تطهيريّة لهم في هذا الفضاء الملئ بالذاكرة التاريخية الدينية النابضة والحيوية من إبراهيم وربما قبله بما يعنيه من توحيد لله الذي لا شريك له .