نرتكب خطأ في طريقة وقوفنا هذه ، وعلينا أن نفرض بإرادتنا وبذكائنا قواعد للاختلاف ، فلا نسمح للآخرين بأن يغرقونا ويغرقوا الساحة بطريقتهم في الاختلاف مهما استطعنا إلى ذلك سبيلًا ، ولو بإغلاق باب حوارنا .
وقد قلتُ يوماً بأنّ الحوار ليس مفهوماً مقدّساً متعالياً على سائر القيم الأخلاقيّة ، فأيّ حوار بين اثنين أو جماعتين يؤدّي إلى التخاصم والتنابذ وقسوة القلوب وتفريق المسلمين فعدمه خيرٌ من وجوده ، لا سيما إذا لم يكن لينتج عنه أيّ تحوّل في القناعات . وليس إذا كنّا نؤمن بالحوار فهذا يلزمنا أن نخوض في حوارات لا فائدة منها سوى تمزيق اللحمة الاجتماعيّة وتفريق الناس وتشظّي العلاقات بين الأسر والعائلات وغير ذلك من المساوئ الأعظم ، فالحوار خُلق لكي يخدم تواصل البشر وينفعهم ، فإذا انقلب إلى ضدّه لم يعد قيمةً مضافة ، وعلينا تجنّبه أو تصحيح مساره مهما أمكننا ذلك . ألا تجدون أنّ بعض الحوارات الدينية أو المذهبية أو السياسيّة التي أتحفتنا بها مجموعة من الفضائيات العربية منذ تسعينيات القرن الماضي قد أفسدت حالنا ومزّقت شملنا وعمّمت ثقافة العدوانيّة فينا من حيث شعرنا أم لم نشعر ؟ ! فما فائدة هذه الحوارات الصاخبة والعنيفة والعدوانية التي يستمع إليها الأطفال والناشئة فينشؤون عليها في طريقة اختلافهم مع الناس ومع بعضهم بعضاً ؟ !
لاحظوا أنّ الله تعالى قال - رغم دعوته في بعض الآيات لمحاورة الكافرين والجدال معهم بالتي هي أحسن - :
( وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ . . )
( الأنعام : 68 ) ، فهذه الآية فهمها بعضهم على أنّ الآخرين إذا كانوا ينتقدون الدين فلا تجلس معهم ، وذهب بعضهم إلى حرمة مجالسة الكافرين لو كانوا ينتقدون الدين ! وبعضهم