الفكرة التي جرى بيانها بلغة أخرى ، والوقت لا يسمح لي بالتفصيل لكنّه موضوع مهم جداً في اللسانيات واللغة ، وهو الحمولات القيمية والشعورية التي تصاحب كلمةً ما فتتحوّل عبر التاريخ .
من هنا ، فعندما أحاكم السلوك الذي جاء في السؤال أعلاه لا يصحّ أن أقف عند النفور النفسي الأوّلي الذي أشعر به ، فعليّ أن أدرس أكثر الفضاءات الاجتماعيّة آنذاك ومديات اعتبارها هذا السلوك غريباً أو غير مناسب ، وقد أتوصّل إلى قبح هذا التصرّف وقد لا أتوصّل ، وإلا فإنّ المشاعر العفويّة الأوليّة التي ألاحظها في نفسي إزاء مثل هذا الأمر لا تعبّر بالضرورة ودوماً عن قيمة علميّة في الفهم التاريخي للوقائع ؛ لأنّها قد تدخل في الأمور الجمالية والذوقية والشعوريّة التي تكون من النوع الذي يمكن تغييره بفعل تأثير الإعلام - بالمعنى العام للكلمة - فهذا الإعلام الذي حوّل الكثيرين ذوقيّاً من الرغبة بالمرأة البدينة إلى المرأة النحيفة ، بإمكانه اليوم - لو أراد - أن يغيّر هذا الذوق خلال سنوات عدّة بإخضاع عقول الناس فيها لتعليبٍ جديد ، وأنصح هنا بمراجعة الكثير من الكتابات التي تحدّثت عن تأثير الإعلام على الأطفال والمفاهيم ، وتأثير العولمة على الثقافات واللغات والسلوك الإنساني ، فالمادية المنسّقة - كما يسمّيها الدكتور طه عبد الرحمن - تقوم بالتعامل مع الإنسان بوصفه كياناً اقتصادياً يمكن التصرّف فيه في خضم حركة التسليع وعجلته ، والأذواق والأعراف والجماليات وكلّ شيء يدخل في فضاء السلعنة هذا ، ويتغيّر بقرار متعمّد ، ليس من قبل الدول هذه المرّة فحسب ، بل من قبل الشركات المالية العملاقة التي تحكم تصرّفات الكثير من السياسيين وتساهم في تحويل مسارات القرارات السياسيّة .
وقد سبق لي أن تكلّمت عن أمل معقود بأن يتحرّر المفكّر والمثقّف الإنساني
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 518
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥١٨