المصلحين والنقّاد عبر التاريخ كان بيانهم للحقّ مضرّاً بالحقّ - إذا صحّ التعبير - على المدى القريب ، لكنّ مرور الزمن جعل ما قالوه فرصةً تاريخية للتغيير ، ولو أنّهم ظلّوا ساكتين لما جاءت تلك الفرص ولو للأجيال القادمة .
المعيار هو أن تحمل همّ الحقّ وتقدّمه على همّ رضا الناس والمؤسّسات العلميّة والاجتماعية والسلطوية ، وفي الوقت عينه يدفعك همّ الحقّ لخدمته ، فليس إبراز ما تعرف هو قيمة مطلقة ، وإنّما ذاك الإبراز المفضي إلى خدمة الشيء الذي تعرفه في أفقٍ منظور ولو لم يكن قريباً . وليس أصلُ وجود ردود من أفعال الناس ولا تسبّبُ فكرك بجدلٍ بأمورٍ توقف عن بيان الحقّ الذي تراه ، إذ ما من حقّ عبر تاريخ الأنبياء والأوصياء والأولياء والصالحين والعلماء والمفكّرين إلا وأوقع جدلًا وانقساماً ، فهذه سنّة الله في التاريخ والاجتماع ، وأولئك الذين يريدون منّا التغيير الصامت ما قدّموا يوماً شاهداً على نجاح هذه الطريقة في تاريخ الشعوب والأمم والأفكار ، ولو كان الصمت طريقاً لكان في حالاتٍ نادرة جدّاً . وكثيرون يريدون أن يغيّروا لكنّهم يتذرّعون بهذه الذرائع خوفاً تارةً في لاوعيهم ، وعدم اقتناع - أخرى - بفكرهم التغييري اقتناعاً حقيقيّاً ، وعيشهم - ثالثة - الهواجس من الجديد ، فقط هواجس ، وكأنّه يمكن تقديم ضمانات قطعيّة لحصول تغيير مجتمعي دون أضرار . . كلامٌ مثالي يعيشه الكثير من الناس .
والغريب أنّ بعض الناس يدّعون أنّهم يؤمنون بخطّ النقد والتغيير ، لكنّ أعمالهم العلميّة والثقافية كلّها تقريباً تقع في سياق نقد الناقدين والتغييريين ( ولا يثير حفيظتهم إلا أعمال هؤلاء ) ، دون المساس بالوضع التقليدي القائم ، إلا في الأمور التي صارت واضحة عند أغلب الناس ! وهؤلاء نصيحتي الأخويّة لهم أن يراجعوا حساباتهم ، ولا أراهم قلّةً بل هم كثرة ، وأتفهّم خوفهم من بعض
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 466
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٦٦