عندها والبناء عليها لقيامة خطاب ديني دعوي أكثر تأثيراً وفاعليّة على المستوى الشعبي العام .
إنّ بعض الدعاة والمبلّغين لم يدركوا بعمق - وبشكل حقيقي وليس صوريّاً - بعدُ أنّ حجم المتعلّمين في العالم الإسلامي قد ازداد بشكل هائل ، وأنّ النسبة السكّانية قد تعاظمت بشكل رهيب خلال نصف القرن الأخير ، وأنّ انفجار المعلوماتية قد أدخلنا في قواعد جديدة للعبة ، وهذا أمر له انعكاسات كبيرة على طرائق العمل وعلى التحدّيات المعرفيّة ، لقد كان الدكتور محمد أركون يقول في بعض كتبه بأنّ التخضم السكاني وثورة الاتصالات والمعلوماتيّة قد ساعدا المدّ الإسلامي الذي تمكّن من إيصال مفاهيمه إلى الأرياف بعد أن كانت حكراً على النخب ، فيما عامّة الناس لا تعرف من الدين إلا الشيء اليسير . وبعد عشرين سنة من كلام أركون هذا أواخر الثمانينيات ، نشهد اليوم تنافساً قويّاً بين التيارات الدينية وخصومها على كسب الشارع بشكل غيّر قواعد السيطرة ، وبات الآخر المختلف معك قادراً على الوصول إلى نفس النقاط التي تصل إليها أنت ، بل وأبعد ، ليس ليأخذ منك جمهورك فحسب ، بل ليغيّر نمط تفكير جمهورك نفسه ، فانظروا ماذا فعلت البرامج التلفزيونية والمسلسلات والبرامج الغنائيّة والفنيّة في خلق وعي اجتماعي جديد أثّر حتى على نمط تفكير المتديّنين أنفسهم !
ه - - تحوّل الكثير من هذه البرامج والدروس في بعض البلدان إلى شيء وظيفي أكثر من كونه نشاطاً دينيّاً يعيش فاعله الحماس والاندفاع ، فالظاهرة الوظيفية للتبليغ الديني ، وإن لم تكن مشكلةً في حدّ ذاتها لكنّها تظلّ فيها بعض المردودات العكسية التي ينبغي التنبّه لها ، من نوع استلاب القرار ومصادرة حسّ المبادرة عند الداعية أو المبلّغ الديني ، حيث بتنا نجد اليوم المبلّغين يخضعون لما
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 451
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٥١