الجدلي إلا عند الضرورة ؛ لأنّ المنطق البرهاني يقوّي بُنيتنا العلمية ، ويقدّمنا أصحاب مشاريع فكريّة حقيقيّة في الأمّة ، بدل المنطق الجدلي الذي يقدّمنا ردود أفعال غاضبة فقط . . وإنّ الجمع بين النقد والبناء ضرورة كبيرة لنا اليوم .
وفي هذا الإطار أشير إلى فشل منهج تقطيع النصوص والنقد ( الجُمَلي ) للفكر ، وهو منهج مؤسف ساعد كثيراً في الحدّ من أفقنا الفكري ، وحوّلنا إلى ما يشبه محاكم التفتيش في القرون الوسطى ، فصار كل همّنا أن نكشف عقيدة فلان ، ونستدرجه لنرى هل يقول بكذا أم لا ؟ فإذا انكشف مزّقنا صورته وأسقطناه في الحياة العامّة . بل هذا المنهج سطّح من وعينا كثيراً بحيث عندما ندرس الفكر لا نعرف دراسته بطريقة شمولية استيعابية تحلّل منطلقاته ومساراته وتاريخه وبنياته التحتيّة وعناصره الأساسية ، وإنّما ندرس فكر الآخرين عبر ملاحظة هذه الجملة أو تلك ، أو هذه العبارة أو تلك ، وهذا تراجع عظيم في الحياة العلميّة والأكاديمية ، ينمّ عن فشل كبير في قراءة الأمور عند بعضنا بالطبع وليس الجميع .
5 - علينا أن نقدّم سياسة ثقافية استراتيجية تتحمّل الرأي الآخر ، ولا تعيش التشنّج من الفكرة الغريبة وغيرها ، بقدر ما تعيش روح التأمّل فيها ، ثم نقدها على تقدير عدم الاقتناع بها . إنّ الاعتراف بالآخر لا يعني تصحيح فكره ، بقدر ما يعني أنّه موجود قائم يمارس فعل البحث وأنّ له الحقّ في ذلك ، وأنّ المطلوب منّي اليوم هو الدفاع عن فكري بامتلاك الوسائل الأكثر تطوّراً منه في التأثير . لكنّ هذا لا يعني أننا نقبل بغير البحث العلمي مهما كان ضعيفاً من الآخر ، فنحن لا نقبل بالسخرية أو الاستهزاء أو التجديف بمقدّساتنا وهذه قناعتنا وحقّنا ، لكنّ النقد العلمي من الآخر على أفكارنا لا يساوق السخرية دوماً ، على
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 399
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٩