تشريع الصوم هو ذاك الذي يفهم الصوم على أنّه مكوّن متكامل ، وبذلك يعي كلمة :
( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
الواردة في الآية التي شرّعت الصوم ، ويفهم سياق الحديث عن الدعاء والقرآن في سياق الحديث القرآني عن الصوم ؛ لأنّه يرى أنّ هذه الأشياء كلّها عبارة عن مركّب متجانس مع بعضه ، ولأنّه تحرّر من النظرة الفقهية للعبادات بوصفها النظرة الحصرية لها ، معتبراً إيّاها جزءاً من مكوّنات العبادة لله تعالى .
والفرق بين الفهم الأوّل والثاني هنا هو أنّ الفهم الأوّل يجعل الصوم مفهوماً مشكّكاً ونسبيّاً ، بينما الفهم الثاني يجعله - كما سائر العبادات - مفهوماً غير مشكّك ولا نسبي ، لكنّه مركّب من أجزاء ، وأنّ البعد الفقهي فيه هو أحد أجزائه لا تمامها ، كلّ ما في الأمر أنّ بطلان الصوم - بمعنى وجوب إعادة الإمساك - منحصر بحالة ترك المفطرات المنصوصة في الفقه الإسلامي .
الفرضية الثالثة : وهي ترى أنّ الصوم هو ترك المفطرات المنصوصة ، لكنّه ترك له أثر روحي ، وأنّ مشكلة الثقافة الدينية عند عامّة الناس هي أنّها صارت تتمكّن من الصوم الفقهي دون أن يترك هذا الصوم أثراً عليها ، وذلك بسبب تحوّله إلى عادةً تارةً أو بسبب حصول تشوّه في فهمه .
وهذا التفسير لعبادة الصوم - كسائر العبادات - لا يرجع إلى فهم الصوم على انّه أمر نسبي ومشكّك ، ولا إلى أنّ له أجزاء غير تلك المنصوصة في الفقه ، بل يرى الأمور كما هي ، غاية الأمر أنّ هذا الصوم الفقهي يفترض منطقيّاً أن يترك أثراً روحياً على الإنسان لبعث روح التقوى فيه ، لكنّ معاصي الإنساني وقساوة قلبه وبُعده عن الله وتبسيطه العبادات إلى عادات ، منع عن تأثير العبادة في البعد الروحي للإنسان ، وصيّرها أمراً مادياً ، فمرجع المشكلة إلى خلق الموانع أمام