تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
مصلٍّ يعمل الصالحات ويترك السيئات لتحقّق منه صومٌ آخر أعلى درجة من الصوم الأوّل ، فهو نفس الصوم ولكنّه من نوعيّة أفضل ، تماماً كالسيارة التي تشتريها وتوصلك إلى المقصد ، لكنّها قد تكون أنواعاً متعدّدة بحيث يكون بعضها أفضل من بعضها الآخر ، فتوصلك بسرعة أو تترك آثاراً إيجابية جانبية عليك بعد إيصالك لمقصدك . الفرضية الثانية : وهي فرضيّة أنّ الصوم - بمعنى ترك المفطرات فقط - هو مفهوم فقهي محض ، ولكنّ الصوم الذي يحوي سائر العناصر المكوّنة له هو ذاك الصوم الذي تصاحب فيه تركَ المفطرات حالةٌ روحيّة تخلق وعياً دينيّاً أو إحساساً إيمانيّاً في الروح ، وأنّ الناس بجمودها على البعد الفقهي ظنّت أنّ الرسالة الأساسيّة من الصوم هي ترك الأكل والشرب في النهار فقط ، بحيث لا تجد مانعاً من أن يتحوّل الشهر الفضيل - مثلًا - إلى مناسبة لكلّ أنواع اللهو وتضييع الوقت وكثرة الأكل وفوضى الحياة والنوم وغير ذلك . إنّ العالم القرآني يفهم الصوم على أنّه مكوّن متعدّد العناصر ، وأحد عناصره هو الجانب الفقهي ، وأنّك لو حقّقت الجانب الفقهي ولم تحقّق غيره بطلت العناصر الأخرى للصوم ، وبطل الصوم بمفهومه القرآني وإن لم يبطل بمفهومه الفقهي بحيث يوجب معصيةً أو إعادة ، إذ ليس كلّ شيء في الحياة الروحية والدينية هو الواجب والحرام ، بينما لو لم يتحقّق الجانب الفقهي لزمك الإعادة . وهذا المفهوم للصوم هو المفهوم الذي ينظر للعبادات على أنّها شيء مغاير للعادات ، تماماً كما كان يطرح علماء الأخلاق والعرفان دوماً ، فالذي يذهب بقيمة العبادات في الحياة هو تحوّلها إلى عادة ، أو مناسبة اجتماعية فقط ، بينما الذي يعيد إليها قيمتها بحيث يشعر بها المسلمون كما شعر بها صحابة النبي لحظة