تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
وهذا ما يستدعي ضرباً من التسامح في المستحبات ، بمعنى أن لا نلزم الناس أو نلحّ عليهم بنوعٍ خاصّ منها ، بل نفتح أمامهم الأفق الذي يريدون هم اختياره ، ويكون معياره التأثير الإيجابي على نفوسهم وأرواحهم ومسلكيّاتهم ، فالمسألة في المستحب مسألةٌ اختياريّة وغير إلزامية ، فليُترك الناس ليختاروا المستحبّ الذي يرتاحون معه ويتعايشون معه أكثر ، أمّا ما يفعله بعضنا اليوم - كما بتنا نرى - من أنّه يجعل المستحبّات الخاصّة التي يفضّلها هو بنفسه معياراً لتديّن الناس ، فلو فعلوا هذا المستحبّ فهم جيّدون حتى لو تركوا ألف مستحبّ آخر ، ولو تركوه فهم مقصّرون حتى لو فعلوا ألف مستحبّ آخر ، فهذا غير جيّد . بل إنّ بعض الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يمارسون فعل الدعوة إلى المستحبّات بأشدّ من ممارستهم فعل الدعوة إلى الواجبات ، وهذا من اختلال فقه الأولويات عندهم ، ما لم يكن في الظروف الزمكانية ما يعطي خصوصيّة معينة . نعم ، بين المستحبات تفاضل تحدّث عنه الفقهاء المسلمون بلغة ( المستحب المؤكّد والمستحب غير المؤكّد ، أو الكراهة الشديدة والكراهة غير الشديدة ) ، وهذا التفاضل تحكيه لنا النصوص الدينية نفسها ، وليس استحساني أو استحسانك ، فصلاة الليل مستحبّ أوكد من مستحبّ آخر ، والصلاة في المسجد أو الصلاة جماعة من المستحبّات المؤكّدة ، وكذلك الصدقة على المحتاجين ، وهذا الأمر يتّبع فيه نوعيّة ولغة وحجم النصوص الحاثّة على هذا المستحبّ أو ذاك . وهنا ، من الممكن توجيه الناس نحو المستحبّات المؤكّدة بدرجة أكبر من توجيهها نحو سائر المستحبّات ، لكن بطريقة تفسح المجال