فيها الحرب الابتدائيّة ، حيث أخذ يسود بين كثير من الفقهاء وربما أكثرهم الرأيُ القائل - وهو رأي موجود قديماً أيضاً - بأنّه لا يوجد تحديد زمني ، بل القضيّة موكولة إلى وليّ الأمر فيما يراه الصالح أو الأصلح للأمّة المسلمة وللإسلام والمسلمين ، فقد يوقف هذا الجهاد خمسين سنةً ، وقد يوقفه أكثر أو أقلّ من ذلك ، تبعاً للمصالح العامّة التي تحتاجها الأمّة والدولة والدين .
الجبهة الثانية : وهي جبهة أصل وجوب بل مشروعيّة الجهاد الابتدائي ، حيث بدأ يتداول الرأي القائل بأنّ هذا الجهاد غير مشرّع في الإسلام ، أو أنّه لو شرّع فهو في حالة واحدة وهي قيام الدول الأخرى بعدم السماح للإسلام والمسلمين بحريّة الحركة على أراضيها لنشر الدين الحنيف ، وهؤلاء الفقهاء يرون أصالة السلم في العلاقات الدولية لا أصالة الحرب .
من وجهة نظري الشخصيّة ، ووفقاً لبحثيَّ المطوّلين في هذا الموضوع ، والمنشورين في كتابي المتواضع ( دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر ) ، فقد توصّلتُ إلى عدم شرعيّة الجهاد الابتدائي بالعنوان الأوّلي مطلقاً حتى في عصر النصّ ، وأنّ الجهاد الذي شرّعه الإسلام ومارسه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم هو الجهاد الدفاعي فقط ، لكن لا بمعنى الدفاع الشخصي ، بل بمعنى الدفاع النوعي المجتمعي ، قال سبحانه وتعالى :
( . . فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً )
( النساء : 90 - 91 ) .
وعليه ، فقد بنيتُ على أصالة السلم ، فكلّ كافر فإنّ الأصل فيه أنّه غير حربي