من الفقهاء المسلمين يرون هذا الجهاد واجباً على الأمّة والدولة الإسلاميّة وليس فقط جائزاً ، ومعنى ذلك أنّه يجب على الدولة الإسلاميّة والأمّة المسلمة أن تتوسّع وتفتح البلدان الأخرى وتخضعها لحكم المسلمين ، حتى لو لم يبدأ الآخرون المسلمين بالحرب .
وأرجو التنبّه جيداً لمسألة وجوب هذا الجهاد ، فنحن لا نتكلّم عن أمر مشروع ، بل نتكلّم عن وظيفة مجتمعيّة عامّة تجعل الأمّة الإسلاميّة في حال توسّع دائم . نعم يسقط وجوب هذا الجهاد حال عدم المقدرة ، كما في مثل زماننا حيث المسلمون لا يقدرون على التوسّع ، بل يتعيّن عليهم الدفاع عن دينهم وبلادهم وأوطانهم ، في ظلّ العدوان المستمرّ من الاستكبار العالمي والصهيونية عليهم .
وهذا يعني أنّ الأصل في علاقة الدولة الإسلاميّة بسائر الأمم هو الحرب ، وهو ما يسمّى بأصالة الحرابة ، مقابل القول بأصالة السلم .
لكنّ الفقهاء الذين يتبنون خيار الجهاد الابتدائي يرون أنّه يجوز للدولة الإسلاميّة وقف هذه الحرب لمدّة زمنية معيّنة ، وفتح معاهدات سلام مع الآخرين . واختلفوا في المدّة الزمنيّة الأقصى التي يُسمح فيها لوليّ الأمر أن يوقع معاهدة سلام مع أيّ دولة أخرى ، بحيث تُلزمه هذه المعاهدة بعدم شنّ المزيد من الهجمات التوسّعية الدعوية التحريرية ، فقال بعض الفقهاء بأنّها أربعة أشهر ، وقال فقهاء آخرون بأنّها سنة كاملة ، وبلغ بها فريق آخر حدّ عشر سنوات ، وهذا يعني أنّ الدولة الإسلاميّة لا تستطيع التوقيع على معاهدة سلام تمنعها من فتح حرب ابتدائيّة لمدّة أطول من هذه .
لكنّ هذا الرأي بدأ بالانحسار في العصر المتأخّر على جبهتين :
الجبهة الأولى : وهي جبهة المدّة الزمنيّة المسموح للدولة الإسلاميّة أن توقف
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 303
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٣