* 1 - إذا كان القطع واليقين الذي انطلق منه القاطع بالحكم الشرعي مبرّراً ومنطلقاً من معطيات موضوعيّة ولو خاطئة ، فإنّ هذا القطع معذِّر ، تماماً كالفقيه الذي يفتي في أحكام الحدود والقصاص بالقتل هنا وهناك ، ثم يتبيّن له أنّ قطعه بالحكم الظاهري أو الواقعي لم يكن صحيحاً ، فهذا معذورٌ إذا لم يكن فيما بينه وبين الله مقصّراً في مقدّمات البحث أو نازعته نفسه لنتيجة معيّنة دون دليل مقنع وحجّة . ورغم كونه معذوراً فقد تكون فتاويه أدّت إلى قتل أناسٍ كثيرين . وهكذا الحال في مقلِّديه الذين قاموا بتطبيق فتاويه التي رأوها حجّةً عليهم في شرع الله .
والأمر عينه يجري في القاضي فإنّه يُصدر الكثير من الأحكام الجزائية والجنائيّة والمدنية وغيرها ، وربما لم تصب خمسة في المائة من أحكامه الواقع من حيث لا ينتبه ، فظُلم الكثيرُ من الناس واعدم بسبب أحكامه الخاطئة عددٌ من الأشخاص ، فإنّه معذور ما لم يثبت تقصيره . وإثبات تقصيره بالنسبة إلينا يحتاج إلى دليل تتمّ دراسته عند الأجهزة القضائية المختصّة بالمراقبة والمحاسبة ، لكن بالنسبة إلى الله تعالى فهو أعلم به ، وكلّ إنسان على نفسه بصيرة .
2 - لهذا قد نستغرب تعذير الإنسان القاطع لو أدّى قطعه إلى قتل إنسان آخر ، لكنّه أمرٌ ممكن وواقع ، فأنت قد ترى شخصاً في حالٍ لا تشكّ معها في أنّه يريد أن يقتلك ، فتبادر لضربه للدفاع عن نفسك فتقتله ، ثم يتبيّن أنّه ما كان يريد قتلك أساساً ، فأنت هنا معذورٌ أمام الله ، رغم أنّك قتلت نفساً بريئة ، ورغم أنّك أيتمت أولاده ، لكنّ المهم في المعذوريّة هو أن لا يكون لديك تقصيرٌ في المقدّمات ، وهذه يعرفها الله ، وتعرفها أنت بمراجعة نفسك بصدقٍ وشفافية .
3 - لكنّ الخطأ الذي يساوي التعذير لا يمنع من ترتيب آثار قانونيّة أحياناً ،
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 107
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠٧