فمثلًا لو قتلت شخصاً خطأً وأنت تقود السيارة بحيث لم تره في الليل المظلم دون تقصيرٍ منك ، ففي هذه الحال رغم العذر إلا أنّك قد تكون مطالباً شرعاً بدفع ديته إلى أهله ، وهكذا لو كسرت زجاجاً لشخص آخر وأنت نائم من حيث لا تشعر ، فيجب عليك التعويض ، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة ، وهذا أمرٌ آخر يجب الالتفات إليه أيضاً .
4 - وهذا الأمر ليس خاصّاً بالشؤون الدينية ولا يبتلي به أهل الأديان فقط ، فالقضاء والسلطة السياسية قد تصدر منهم الأخطاء من حيث لا يشعرون فتتسبّب بأضرار على الآخرين ، وكذلك البرلمانيّون المشرّعون قد يسنّون قوانين يرونها لمصلحة الشعب ، ثم تتسبّب بالكثير من المشاكل لأبناء الشعب نفسه ، فيُكتشف الأمر بعد مرور السنين والعقود ، وقد يكون لهم العُذر وقد لا يكون لهم العذر لو كان سبب ذلك هو التقصير في أداء الوظيفة ودراسة الموضوع ، بل يشمل الأمر حتى مهندساً يصمّم سدّاً للمياه فيخطأ من حيث لا تقصير عنده ، وينهار السدّ فيموت خلقٌ كثير ، ففي هذه الحال لا نحكم عليه بالإعدام ولا بالجرم إذا أثبت أنّه لم يقصّر في كلّ المقدمات التي كانت مطلوبةً منه ، وإنّما حصل الخطأ من أمورٍ لا ترجع إلى تقصيره ، والأمر عينه يجري في الطبيب وغيره . فالقضيّة ليست موضوعاً دينياً فقط .
5 - أمّا تطبيق هذه المفاهيم على هذا ( الإرهابي ) أو ذاك ، فهذا شيء لا أملك البتّ فيه ، إذ لا علم لي بخبايا النفوس وملابسات كلّ شخص على حدة ، ولابدّ من دراسة الموضوع في الحالة التطبيقية للحكم فيها ، لكن رغم معذوريّة الذي يريد أن يقتلني اشتباهاً فإنّ من حقّي أن أدافع عن نفسي بقتله ، فإنّ الأحكام الدنيويّة والقانونية مختلفة عن أحكام التعذير الأخرويّة في بعض الأحيان ، فلو
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 108
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٠٨