وجودها ، فلابد من فرض شيء في الأعلى نستطيع أن نقول في حقّه أنّه يوجد بدون شيء فوقه ، وإذا فرضنا هذا الأعلى الذي يوجد بدون شيء فوقه فسوف تبطل هذه القاعدة ؛ لأننا حصلنا على شيء وُجِدَ لا من شيء فوقه .
ولهذا قال الفلاسفة بأنّ فرض احتياج كلّ شيء وكلّ موجود إلى علّة فرضٌ يساوي عدم إمكان وجود شيء ، فإنّ أيّ شيء تضع يدك عليه ستقول : لن يوجد إلا بوجود علّته ، وهكذا نتصاعد إلى ما لا نهاية ، وحيث لم نحسم شيئاً تأكّدنا من وجوده بدون تعليق وجوده على شيء فوقه ، فإنّ الجملة التي ستحكمنا هي : ( لن يوجد إلا بوجود الشيء الذي فوقه .
خذ مثالًا : لو قال زيد : لن أدخل الدار إلا إذا دخلها عمرو ، وقال عمرو : لن أدخل الدار إلا إذا دخلها بكر ، وقال بكر : لن أدخل الدار إلا إذا دخلها خالد ، وقال خالد : لن أدخل الدار إلا إذا دخلها سعيد ، وقال سعيد : لن أدخل الدار إلا إذا دخلها جميل ، وكلّما أخذنا شخصاً فسنجده يقول نفس الكلام ، فهل سيدخل أحدٌ الدار ؟ الجواب : كلا ؛ لأنّ كلّ شخص فرضناه سيدخل الدار ، سوف يعلّق دخوله على آخر ، وحيث لا تنتهي السلسلة فلن يدخل أحد .
هذه هي خلاصة فكرتهم ، ومن هنا غيّر بعضهم في صياغة القاعدة ، وقالوا : كلّ ممكن الوجود لابد من أن يوجد من شيءٍ فوقه ، بتغيير كلمة ( شيء ) إلى كلمة ( ممكن ) ، وبهذه الطريقة لم يفرضوا حاجة كلّ شيء وكلّ موجود إلى علّة ، بل فرضوا حاجة كلّ ممكن إلى علّة ، فأخرجوا واجب الوجوب ( الله ) من القاعدة ، وبهذا تحقّق وجود طرف أعلى لم يحتج لما فوقه لكي يوجد ، فانقطعت السلسلة وتحقّق . وهذا البحث عندهم يطرح بوصفه نقاشاً حول الصياغة الدقيقة لقانون العليّة ، وهو من أبحاث بطلان التسلسل العلّي والسببي ، وله تفصيلات كثيرة عندهم .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 92
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٢