تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
العذاب هو طريق التكامل له ليدخل بعد ذلك إلى الجنّة ، تماماً كما هو نظام التكوين في عالم الدنيا حيث يعذّب الإنسان وتلاحقه الضغوط والمصائب والشرور والآلام ، لكي يكون ذلك هو السبيل لتكامله ونضجه ، وتماماً كما يؤدّب القانون المجرمين ليكون ذلك في سلامتهم المستقبليّة وسلامة أبناء نوعهم ، فإذا قبح على الله ذلك هناك فكيف جاز عليه شرور هذا العالم ؟ ولو جازت عليه شرور هذا العالم ، فلماذا لم تجز عليه شرور ذلك العالم بالطريقة عينها ، بعد استبعاد فكرة الخلود ؟ ! ثالثاً : ليسمح لي المحاضر الموقر بمداخلة تنتمي منهجيّاً إلى طريقة معالجة الكثيرين اليوم - ومنهم هو أيضاً - لقضايا الدين ، وهي قراءة الفكر الديني من زاوية سيكولوجية وسيسيولوجية . إنّني أقدّم مقاربة متواضعة هنا ، وهي أنّ هذا النمط من التفكير يمكن إرجاعه إلى رغبة الإنسان العربي بالرحمة ، بعد أن عانى من القمع والظلم ، وانعدام الشفقة والإنسانية ، والقهر والتعذيب والإقصاء بمختلف أنواعها ، من قبل السلطات السياسية والعسكرية والأمنية والدينية والمالية والإعلامية في عالمنا العربي والإسلامي . إنّ هذه الرغبة تشبه تماماً ما حصل في الغرب عقب الحروب الكونيّة ، رغبة في إنتاج نظام فكري لا يفضي إلى إحساسي بالألم النفسي والجرح العاطفي . إنّها صناعة متميّزة لثقافة الجمال والتذوّق ، والتي تجعل من رؤية العقاب أمراً سلبيّاً . ما أقدّمه في هذه المقاربة المفترضة هو أنّ الكثير من هذه الأفكار - لا سيما عندما لا نراها مرفقةً بدليل أو معطى أو شاهد - ناتج عن رغبة الإنسان العربي في الفرار من الألم ، وتوقه إلى الرحمة والحنان والرقّة والعطف ، ولهذا بات يتذمّر من الإله القويّ ؛ لأنّه يذكّره بالسلطان المستبدّ ، ويتذمّر من الإله المعاقِب ؛ لأنّه يذكّره بالسلطة الديكتاتوريّة ،