تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
النار عند بعض علماء الدين ورجاله ، ولكن ليس رجال الدين هم الذين يكرّسون مبدأ ثقافة الخوف من النار ، بل هو القرآن الكريم نفسه الذي كرّس هذه الحال ، ومعه جملة من الكتب السماوية السابقة ، واضعةً - إلى جانب مبدأ الخوف - مبادئ الرجاء والأمل والشوق والمحبّة ، فلماذا نتّهم رجال الدين بدل أن نتّهم القرآن نفسه ؟ ! وإذا اتهمنا القرآن مفترضين أنّه ليس وحياً إلهيّاً ، فهذا يعني أنّ اكتشاف طبيعة علاقة الله معنا ، وهل هي علاقة أمّ بأولادها بالطريقة التي ذكرها المحاضر الكريم ، لن يتسنّى لنا إلا بكشف شهودي عرفاني أو بدليل عقلي ، بعد فقدان النصّ الديني لقيمته العلميّة ، وفي هذه الحال يمكن القول بأنّ كلّ كشف شهودي هو تجربة ذاتية للعارف لا ترقى إلى مستوى أن تكون معياراً علميّاً يطرح للتداول العامّ ، كما أقرّ بذلك الكثير من العرفاء ، ما لم ينضمّ إلى هذه التجربة عنصر إضافي آخر . وأمّا الدليل العقلي - مع أنّه لم يبيّن في النصّ المنقول عن المحاضر المحترم - فيمكن في تقديري أن يكون عبارة عن بعض الأمور التي أكتفي منها هنا بافتراض قبح التخليد في النار ؛ لعدم تناسب التخليد مع طبيعة الذنب ، الأمر الذي يجعل من القبيح عقلًا أن يخلّد اللهُ الكافرَ في جهنّم ، فضلًا عن مستندات أخرى لبطلان الخلود الأبدي في جهنّم تعرّض لها غير واحد من الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين ، كما هو معروف . وفي هذه الحال ، لو كان هذا هو المنطلق العقلي للمحاضر الموقّر فسوف نكون قد قفزنا من نقطة إلى نقطة أخرى بطريقة غير علميّة ؛ لأنّ غاية ما تثبته الإشكاليات التي أثيرت على مسألة الخلود في النار هو استحالة الخلود فيها ، وهذا لا يثبت استحالة أصل العقاب وقبحه ، فلعلّ نظام التكوين خلقه الله لكي يعذّب الكافر والفاسق في جهنّم بشكل يكون هذا