والنهوض بالأمم ، فبعض أساتذة الأخلاق ربما اشتبهوا - غير متعمّدين - بتعويمهم هذا النوع من الخطاب الذي جذب بعض الناس ، لكنّه لم يقدّم أحياناً إلا متديّناً سطحياً على مستوى الوعي ، ما أوحى بأنّ الخطاب الأخلاقي والروحي غير منتجٍ على مستوى اللحظة الحاضرة ، الأمر الذي دفع بالكثيرين إلى تركه .
ومن أهم الأسباب أيضاً ، تنامي علمَي الأصول والفقه في الحوزات العلميّة بشكل مذهل عقب تراجع المدّ الإخباري في القرن الثالث عشر الهجري . إنّ تنامي الفقه والأصول لم يترك أثراً على مناهج التدريس في الحوزات العلميّة أو موادّ التدريس فحسب ، كما ينتقد البعض ، وهو انتقاد في محلّه ، بل ترك أثراً حتى على عقلنا الديني ، فصرنا نرى كلّ شيء بعقلٍ فقهي ، تاركين خلف ظهورنا العقل الروحي والأخلاقي الذي شعّ في تاريخ الإسلام عبر عمالقة كبار من الطوائف الإسلاميّة كلّها .
إنّ سيطرة العقل الفقهي أقصى علوماً بأكملها ، وصوّر لنا - حتى في الداخل الحوزوي - أنّ الإسلام فقهٌ تحيط به بعض الهوامش العقديّة والأخلاقيّة ، فأخذ الفقه مكان الصدارة بحجمٍ أكبر من حجمه الطبيعي ، وأثّر على سائر الاهتمامات التي تقف على رأسها الاهتمامات الفكريّة والفلسفية والروحيّة ، فالقرآن الكريم يحوي - على رأي مشهور العلماء - خمسمائة آية أحكاميّة ، أي أقلّ من نصف سدس القرآن ، بينما تفكيرنا اليوم كلّه فقهي باستثناء مساحة عقديّة مذهبيّة هي قضيّة الإمامة والخلافة ، وهذا انحرافٌ كبير في تقديري عن المنهج القرآني الذي أصّل التوحيد الذي لا يقف عند الجانب النظري ، فنحن لو سرنا مع كتاب الله تعالى ، لوجدنا أنّ الأمور التي طرحها عندما تكون نظريةً فهي تؤخذ عنده
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 572
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٢