ولكن في بعض الأحيان تلتبس الأمور وتصبح أكثر تعقيداً ، فيغدو الجوّ ضبابيّاً لا تتضح فيه الرؤية ، فإذا سكت المصلح والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ( وأقصد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما هو أعمّ من معذوريّة الطرف الآخر وعدمها ، على تفصيل عالجته في كتابي : فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ، فقد يساعد ذلك على تكريس حال الانحراف بحيث لن يعود بإمكان الأجيال اللاحقة أن تحدث تغييراً نحو الأفضل ، وهنا قد يرى أنّ الكلام ولو أوجب بعض التشويش إلا أنّه على المدى البعيد سيمنع عن تكريس الخطأ وصيرورته أمراً مسلّماً ، فمن الضروري أن يبقى الطرف الآخر قلقاً لا يعيش استقرار مشروعه . وربما يرى المصلح أنّ سكوته في هذه الحال ضروريٌّ ؛ انطلاقاً من أهميّة ملفّات أخَر ينبغي تداولها غير هذا الملف ، أو لأنّ الحديث في هذا الموضوع سيكرّس الخطأ بدل أن يلغيه .
وهنا لا تخضع المسألة لموقف شرعي بقدر ما تخضع لموقف تقويمي للواقع من طرف الداعية أو المصلح أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، أيّ اسمٍ اخترنا له . وإنّني من موقع قراءتي الشخصيّة أعتقد أنّ الخيار الأوّل هو الأرجح في عصرنا الحاضر ، شرط شموله لمختلف القضايا التي تحتاج لتجديد نظر وإصلاح ، وأنّ سكوت العلماء والمفكّرين والمصلحين عمّا يرونه من أخطاء وظواهر غير سويّة - من وجهة نظرهم - سيفضي إلى دخولنا في مرحلة انغلاقية قاتلة قد تستمرّ عقوداً ، وستذهب بتيار النهضة والإصلاح بعيداً حتى تكاد كلّ جهوده منذ الخمسينيات تتلاشى ، كما أنّ النهضويّ يقف الآن بين المطرقة والسندان ، فمن جهة يواجه التيارات الداخلية الرافضة لأغلب تغييراته ومن جهة ثانية يعاني من الصورة التي تقدّم للإسلام من قبل هذه التيارات والتي يرى
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 485
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٨٥