تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
سكينة لقوله وكلامه ، بحيث لا تشعر باضطراب في الاقتناع بما توصّل إليه . وعلى أية حال ، فلا يمانع الفقهاء - نظريّاً - من أن يسأل الإنسان عن دليلهم الذي استندوا إليه في هذه الفتوى أو تلك . وقد كنت كتبت سابقاً في بعض المقالات أنه من الضروري إرفاق الفتاوى بنبذةٍ مختصرة عن الدليل حيث يمكن . أضف إلى ذلك أنّ مسألة القناعة التي تحدّثتم عنها يمكن أن تفسّر بتفسيرين : فمرّةً تقول : أنا أملك نصّاً في الحديث أو في القرآن الكريم يحرّم الغناء ، لكنّني لست مقتنعاً بهذا التحريم ، ولا أرى له مبرّراً منطقياً ومعقولًا ، ومرّةً أخرى تقول : إنني لا أقتنع بتحريم الغناء ؛ لأنني لم أجد نصّاً دينيّاً مقنعاً يحرّم الغناء ، ففي الحالة الأولى لا تأثير لعدم قناعتك من وجهة نظر الفقهاء ؛ لأنّ النص ما دام موجوداً فلا يحقّ للمسلم أن يعترض على الحجّة التي أرسلها الله تعالى له ، قال تعالى :
( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
، وقال سبحانه :
( وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )
، فلو اقتنعت أو لم تقتنع لا يمكنك شرعاً أن تتمرّد على الموقف الشرعي ، بحجّة عدم الاقتناع . أما في الحالة الثانية فمن حقّك أن تسأل عن المستند الذي اندفع الفقهاء على أساسه للإفتاء بهذا أو ذاك ، ومن حقّك الذهاب بعيداً في النقد والتمحيص والسؤال والاستفهام ، ومن واجبهم من حيث المبدأ أن يشرحوا لك ويبيّنوا ، فإذا كانت القضية من الأمور الواضحة أو شبه الواضحة بحيث يمكن للإنسان أن يحسمها دون حاجة لمقدّمات طويلة ، كان بالإمكان تبنّي مواقف ، وإلا فلا يمكن إلا بعد طيّ تلك المقدمات الطويلة من البحث العلمي .