تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
العرفية ، خلافاً لمشهور الفقهاء . وهناك بعض الفقهاء المتقدمين ممّن كان له هذا الرأي ، والمرجع الديني المعاصر السيد كاظم الحائري يفتي بأنّ التورية كالكذب ( الحائري ، الفتاوى المنتخبة : 298 ) . وأحد الأدلّة على شمول الحرمة للتورية تارةً هو مقصد التحريم والغرض منه ، وأخرى أنّه لو كانت التورية حلالًا فيما الكذب حرام ، لما كان هناك معنى لتجويز الكذب في أيّ حالٍ من الحالات بما فيها إصلاح ذات البين أو إنقاذ شخص أو للضرورة ؛ لأنّه لن يكون هناك ضرورة مجوّزة إلا نادراً جدّاً ؛ لإمكانية استعمال التورية في هذا الوقت فينعدم مجال الاضطرار للكذب ، فيكون ذلك كاشفاً عن أنّ الشرع لم يكن يرى التورية جائزةً ، وإلا لما رخّص في الكذب للضرورة ، بل لطالب باستعمال التورية في هذه الحال . هذا فضلًا عن نقاش في الهوية الموضوعية للكذب ، وأنّه يشمل التورية أم لا يشملها . أمّا المجوّزون للتورية فيذهبون إلى أنّ الدليل دلّ على تحريم الكذب خاصّة ، وهو مغايرٌ للتورية ، فلا يشملها دليل التحريم ، فتبقى على أصل البراءة والجواز ، وهم يقولون بأنّنا لا ندرك المصالح والمفاسد بل نتّبع الدليل حيثما كان ، ولهذا نفتي بحرمة هذا وجواز هذه انقياداً للنصوص الشرعيّة ، لا تلاعباً بالدين ولا نقضاً لقيمه . وعلى أيّة حال ، فيحسن بالمؤمنين الذين يجيزون التورية عملًا أن لا يحوّلوها إلى حياةٍ لهم ، فيعمّ انعدام الثقة فيما بينهم ، ويترك الأمر آثاراً سلبية نفسيّاً واجتماعيّاً ، حتى بتنا نرى أحياناً إمكانية الثقة بغير المتديّن في هذا الجانب أكثر من بعض المتديّنين مع الأسف الشديد .