الحالة الثالثة : أن تصبح هذه السيرة سيرة المتشرّعة كلّهم لا سيرة العلماء فقط ، وهذا ما يسمّى بالسيرة المتشرّعية ، وهو يشبه في أصول الفقه المالكي عند أهل السنّة ما يعرف بحجيّة عمل أهل المدينة . ويعني ذلك أن تكون المسألة سيرةً وعادة بين كلّ المتديّنين بحيث تكشف عن رأي المعصوم ، وهذا ما يشترط فيه أن يكون معاصراً لزمن المعصوم عليه السلام ، وإلا فالسير المتشرّعية الحادثة بعد ذلك لا قيمة لها إطلاقاً ، فلو ظهرت سيرة متشرّعية اليوم بين المتديّنين في كيفية اللباس مثلًا ، فإنّ هذه السيرة مهما قويت واستحكمت لا قيمة لها ، ما لم تتصل تاريخيّاً بعصر النص ؛ لتكشف عن صدورها عن المعصوم الذي هو المؤسّس لها ، وهناك شروط عديدة في السيرة المتشرّعية ، وكذلك في الشهرة الفتوائية والإجماع والشهرة العمليّة ، لا مجال لتفصيلها الآن .
وبناءً عليه ، فما نجده يتداول كثيراً على ألسنة بعض العلماء والخطباء والوعّاظ والمشايخ الكرام من إقناع الناس بأمرٍ ما ( كدعاء أو زيارة أو ذكر أو مستحبّ أو عادة أو عرف أو أسلوب أو نمط عيش أو نحو ذلك ) من خلال سيرة العلماء ، غالباً ما يفتقد إلى رؤية علميّة ، حيث لا يرجع إلى حجيّة الإجماع أو الشهرة الفتوائيّة أو السيرة المتشرّعية ؛ فإنّ العلماء أنفسهم في مقام البحث العلمي لا يرضون بذلك ، لا سيما وأنّ أكثر هذه الادّعاءات تعجز عن أن تثبت هذه العادات والسير العلمائيّة في العصور السابقة . وتجد أغلبها تأتيك من القرن السابع الهجري وما بعد ، ممّا لا قيمة له ، وإنّما هو اجتهادات أو تسامح في أدلّة السنن أو أعراف وتقاليد غير ملزمة أو مثبتة لحكم شرعي أو موقف ديني أو معتقد كلامي .
من هنا لا أجد من الصحيح أن ننصّب أحداً - مهما علا شأنه - مكان
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 349
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٤٩