تناقض ، بل هو منطقيّ ومنسجم .
إلا أنّني ذكرت هناك سبيلًا آخر لإثبات حجية السنّة عبر نصوص السنّة نفسها بمعنى من المعاني ، وذلك انطلاقاً من آيات القرآن الكريم ، فقد توصّلت في بحثي القرآني هناك حول الأسس القرآنية لحجيّة سنّة النبي ، إلى أنّ القرآن - بصرف النظر عن نظرية العصمة - لم يعطِ الحجيّة لسنّة النبي إلّا في حالتين : إحداهما ما ينسبه النبي إلى الله ، فهذا يجب الأخذ به ، سواء كان بالنصّ أم بالمعنى ، وثانيهما ما اشتمل على صيغ أمرٍ ونهي ، كيما يندرج في مجال الطاعة . وقلت هناك بأنّه لم يدلّ نصّ الكتاب على غير ذلك فيما فهمناه .
وعليه ، فقد دلّت الآيات على حجيّة قول الرسول فيما ينسبه إلى الله تعالى ، وهذه الحجية لو تأمّلناها هي حجيّة للنقل النبوي عن الله ولو في غير مجال نقل القرآن الكريم لنا ، وحجية النقل لا تساوق حجيّة السنّة كلّها ؛ لأنّ دليل حجية النقل يلاحظ حيثية الصدق في النقل والدقّة فيه ، بينما دليل حجيّة السنّة يلاحظ ما صدر منه على نحو الموضوعيّة كما يمكنه أن يلاحظ معاً ما صدر على نحو الطريقية ، لا سيما بناء على حقّ التشريع النبوي ، فلو أخبرنا الرسول بأنّ الله جعل مطلق قوله وفعله وتقريره حجةً ، أمكننا أن نستفيد من ذلك مطلباً إضافياً ، وهو توسعة حجيّة السنّة من خصوص ما ينسبه الرسول إلى الله تعالى ( ما هو بحيثية النقل ) إلى مطلق قوله أو فعله أو تقريره ، إذا توفّرنا على نصّ من السنّة دالّ على الموضوع ، ينسب فيه الرسول نفسه هذا الأمر إلى الله تعالى ، ليكون هذا النص السنّي حجّةً بدليل الكتاب . وبهذه الطريقة يصحّ الاستدلال على حجيّة السنّة بالسنّة ، لكن في المساحات الإضافيّة كما بينّا لا في أصل الحجيّة .
إلا انّ المشكلة أنّني لم أتوصّل في محلّه إلى وجود نصّ في السنّة يمكن الوثوق
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 317
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣١٧