لا يوجد شيء يتصف بالصفات والحقائق التي لله سبحانه بحيث يكون خالقاً وبارئاً وعالماً مطلقاً وقادراً مطلقاً وكلّ الصفات والخصائص الأخرى ، فهي تنفي الحدّ الأعلى الموجب لوجود شخص آخر غير الله يحمل تمام صفاته العليا ، لا أنّها تنفي مطلق الاشتراك ، وإذا لم نفسّر الآية بهذا المعنى المحتمل لوقعنا في مشكلة تفسير اشتراك غير الله مع الله تعالى في سائر الصفات كالسمع والبصر والعلم وغير ذلك ، وربما لهذا حاول بعض المفسّرين حصر الآية الكريمة بالتماثل في الحقيقة لا في الصفة ؛ لأنّهم تنبّهوا إلى هذه المشكلة .
وسياق الآية الكريمة يعطي ما نقول ، فقد قال تعالى :
( فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
( الشورى : 11 - 12 ) ، فهذا الذي يفعل كلّ ما جاء في الآيتين ليس له مثيل ، أي لا يوجد غيره يجعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام وله مقاليد السماوات والأرض .
والخلاصة : إنّ الآية الكريمة لا تنفي مطلق التماثل بل تنفي التماثل المطلق ، ويكفي كون هذا الذي ندّعيه يحمل احتمالًا قويّاً يسقط الآية عن تبلور ظهورٍ لها في التفسير المشهور ، فيؤخذ حينئذٍ بالقدر المتيقّن لها ، وهو التماثل المطلق ، كما أنّه على هذا التفسير الجديد تنفي الآية وجود إلهين يحملان صفات الله وأسمائه العليا ، لا أنّها تنفي وجود تشابه في الجملة بين الله وبين غيره ، الأمر الذي يلغي إمكانية الاستفادة من هذه الآية في الكثير من الموارد التي استفاد منها علماء الكلام والتفسير . والعلم عند الله .