النصّ نفسه تقوم على البنية العقلائية للغة .
ولو راجعتم دراستي المتواضعة حول البطون ( والمنشورة في الجزء الثالث من كتابي : دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر ) ، لرأيتم أنّني كنت مصرّاً على عدم رفض فكرة البطون ، بقدر الحديث عن رفض المنهج المتحرّر في فهمها ، بحيث يأتيك عارفٌ أو فيلسوف أو متكلّمٌ أو أستاذ أخلاق أو غيرهم ، فيدّعي في الآية الكريمة معنى لا يفهمه حتى من يغوص في الدلالات اللغويّة ويقارب الآيات ويقارنها ، وعندما تطالبه بالدليل يقف مستهجناً طلبَك ! وكذلك عندما تقول له بأنّ اللغة لا تتحمّل هذا المعنى وأنّه مجرّد افتراض ، وكأنّ المطلوب هو التصديق بكلامه بلا دليل من النصّ القرآني نفسه ، فالبطون فكرةٌ صحيحة ، لكنّها لا تحوّل النصّ القرآني من نصّ عقلائي في البيان يعتمد منهج العقلاء في التفاهم والمحاورة والتفهيم والتبيين ، إلى نصّ ما فوق عقلائي ، فهذا هو الذي رأيت أنّه لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنّة ولا من العقل بحسب وجهة نظري المتواضعة ، وهذا هو ما يقوله غير واحدٍ من المفسّرين وعلماء القرآنيات أيضاً ، ليس آخرهم العلامة المغفور له الشيخ محمد هادي معرفة رحمه الله .
والمشكلة أنّ الشيء الذي بات ينصرف إلى أذهان الناس من فكرة البطون هو أنّها مربوطة بتلك المعاني التي لا نصل إليها باللغة ، ولعلّ السبب في ذلك تاريخيٌّ ؛ من جهة أنّ فكرة البطون اشتهر بها المتصوّفة ، لكنّني أرى أنّ البطون تعني في اللغة كلّ ما لم يظهر واحتاج في ظهوره إلى حفر وسَعي ، وهذا يعني أنّ الكثير من الاستنتاجات القرآنيّة للمفسّرين والفقهاء وغيرهم عبر التاريخ هي استنتاجات لبطونه ، فعندما يأتي السيد محمد باقر الصدر ويستخرج سنن التاريخ وقواعد الصيرورة البشريّة من النصّ القرآني عبر حفرٍ جديد لم يكن بادياً
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 268
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٦٨