تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
عن الروايات التفسيرية في هذا الإطار ؛ لأنّ الآية القرآنية لا يوجد فيها إطلاق من هذه الناحية ، فلو جاءت رواية تقول : يجب في إمام الجماعة أن لا يرتكب الحرام ، ويفعل الواجب ، فهل هذا يعني أنّ فيها إطلاقاً ، فيشترط في إمام الجماعة العصمة ؟ ! القضيّة هي أنّ مجال التوصيفات يكفي فيه صدق الأوصاف صدقاً عرفيّاً ، فقوله : كونوا مع الصادقين ، أي كونوا مع من يتصف بالصدق ، والاتصاف بالصدق يصدق على المعصوم وعلى غيره ، فالعادل صادق ، وهم يقولون خبر الثقة حجّة ، والثقة هو الصادق في قوله ، فلا معنى للإطلاق هنا . وأنت تقول : اتبع الإنسان الورع ، ولا يعني ذلك اشتراط العصمة ، وتقول : يشترط في القاضي والمفتي والمرجع وغيرهم العدالة والتي هي الاستقامة على جادّة الشرع ، ولا يعني ذلك اشتراط العصمة فيهم بحجّة إطلاق الاستقامة ، وهذا الذي أقوله هو الذي يسير عليه الفقهاء والمجتهدون والأصوليّون عادةً في دراساتهم وأبحاثهم ما لم تذكر قرينة خاصّة . وأما التعبير بكونوا مع ، وليس كونوا من ، فيعني أن تكونوا في زمرة الصادقين ومناصرين لهم ، ولا يعني ذلك بالضرورة التمييز بين ( مع ) و ( من ) ؛ لأنّ ( مع ) تستخدم في اللغة بمعنى ( من ) ، فأنت تقول لولدك : كن مع المؤمنين ولا تكن مع الفاسقين ، ومقصودك أن يصبح مؤمناً مثلهم ، ولا يكون فاسقاً مثل أولئك ، ولعلّه يشهد لذلك قوله تعالى :
( فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ )
أي منهم ، وقوله سبحانه :
( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً )
، فإنّ من يطع الله والرسول هو من الصالحين ، وليس غيرهم ، وهكذا .