والمتني في الغالب ، ومن الطبيعي أنّ شخصاً مسكوناً بهاجس النقد عندما يمرّ عليه خبر دون أن يعلّق عليه فإنّ عناصر القوّة في هذا الخبر ستكون بالنسبة إلينا كبيرة ، حيث سنقول بأنّ هذا الخبر قد نجا من نقد فلان الوسواسي في نقده إذا صحّ التعبير ولاق ، ولكنّ هذا لا يعني أن نختم بالشمع الأحمر على الأحاديث التي لم يقم البهبودي باختيارها ؛ لأنّ القضيّة تخضع للاجتهادات ، ففي مسألة النقد المتني مثلًا هناك موضوع الغلو ، الذي يشكّل مفهوماً هلاميّاً لزجاً يختلف الكثيرون فيه ، فقد لا يوافق بعضهم على الفهم الذي قدّمه البهبودي للغلو ، وأطاح وفقاً له بالكثير من الروايات ، ومن ثم فلا نستطيع أن نعتبر ما سوى روايات صحيح الكافي ضعيفاً بالمطلق ، تماماً كما لا نستطيع أن نعتبر روايات صحيح الكافي معتبرةً وصحيحة بالمطلق .
إنني أوافق الدكتور البهبودي في ضرورة أن يوضع كتاب حديثي يكون معتمداً في الوسط العام ومرجعاً أيضاً للخطباء والمنبريين وقرّاء العزاء وأمثالهم ، ويكون حاوياً على القضايا التي يقلّ الجدل فيها ويغلب توافق الأكثريّة عليها ، لكن لا بوصف هذا الكتاب مرجعاً حصريّاً يملك سلطةً نصيّة تتعالى عن النقد ، ولا بوصفه مانعاً عن الانفتاح على كتب حديثية أخرى لو تمكّنا من العثور فيها على نصوص معتبرة ، بل بوصفه معيناً على الحدّ من حالة الفوضى القائمة اليوم بالخصوص في تناول الأحاديث ، فقد بات أيّ شخص يأتيك بأيّ حديث من أيّ كتاب ، ثم يقوم بالبناء عليه وتشكيل ثقافة مجتمعيّة فيه . ومن الضروري للعلماء والمفكّرين والمرجعيات الدينية أن تفكّر في وضع حدّ لهذه الفوضى العارمة ، وأحد أشكال ذلك هو اعتماد كتب يقلّ الضعف السندي والمتني فيها ، بدل اعتماد كتب يغلب فيها الضعف السندي والمتني ، دون أن ندخل في تسميات .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 210
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢١٠