الاحتمال الثاني : أن يراد بالوثوقِ الاطمئنانُ النوعي « 1 » ، والنسبة بينه وبين الشخصي هي العموم والخصوص من وجه ، بمعنى أنّ الخبر لو عرضناه على نوع العقلاء لاطمأنّوا به وحصل لهم سكونُ نفسٍ إليه ، لكنّ الفرد نفسه لم يحصل له هذا الاطمئنان ، نعم لو اجتمع الاطمئنان النوعي مع الشخصي كان نوراً على نور ، فيكون حجةً لما تقدّم ، بل من أظهر مصاديق الاطمئنان الحجّة ، لكن لو انفرد الاطمئنان النوعي ولم يحصل مع الشخصي ، فهل يكون حجّةً أو لا ؟ فلو أخبر العدلُ الثقة الضابط الجليل المعروف بضبطه بخبر فإنّ هذا الخبر يحصل منه نوعاً اطمئنانٌ ، غير أنّ زيداً لم يحصل له ذلك على المستوى الشخصي ، فما هو الموقف ؟
ذهب السيّد الصدر هنا إلى أنّ مرجع الاطمئنان النوعي إلى أمارة تفيد بحدّ ذاتها الاطمئنان عقلائياً لو خُلّيت ونفسها ، لكنّها زوحمت بمنافٍ لها من أمارة أخرى وقد أخلّت هذا المزاحمة بنسبة الاحتمال الرئيس الموجود في الأمارة الأولى ، ومعنى ذلك أنّ الاطمئنان النوعي بوصفه عنواناً ضخماً ليس له أيّ معنى سوى تزاحم أمارتين أعاق حصول الاطمئنان من إحداهما التي لو لم يعارضها شيء لأفادته ، فلا معنى للقول بحجيّة الاطمئنان النوعي ، بل البحث يكون عن المعارضة حينئذ « 2 » .
لكنّ هذا التفسير للاطمئنان النوعي ليس شاملًا لتمام حالاته ، فقد لا يكون الشيء معارَضاً بالمزاحم ، لكنّ طبع الباحث أو الفقيه يجعل حصول الاطمئنان عنده بطيئاً لخروجه عن الحدّ المتعارف ، فليس من الضروري الحديث عن معارض ، بل قد يتحقّق بصورة أخرى أيضاً ، إلا إذا قيل بأنّ لبطء الاطمئنان عند الفرد أسبابه ، وهي التي تشكّل
هامش
( 1 ) ذهب إلى معياريّة الوثوق النوعي جماعةٌ في ظاهر بعض كلماتهم ، كالحكيم ومصطفى الخميني ومكارم الشيرازي والطباطبائي وفضل الله ، انظر المواقف من قضيّة الوثوق والوثاقة في كتابنا : نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 439 - 443 .
( 2 ) مباحث الأصول ق 2 ، ج 5 : 592 .