في أصول الفقه ، وتعرّضنا له في كتاب : حجية الحديث .
الحالة الثانية : أن يكون الشكّ شكّاً حقيقيّاً كما سمّيناه في مواضع عدّة ، وهو أن تتوافر معطيات لكلا الاحتمالين معاً ، بحيث تُحدث شكّاً والتباساً ودوراناً حقيقيّاً في الذهن العقلائي ، كأن يخبرك خبراً ما محلّلٌ سياسي تكثر في إخباراته كونها تحاليل سياسيّة لا معلومات خبريّة ، فهنا من أين نحرز أنّ العقلاء يبنون على حسيّة قوله عندما يلتفتون إلى هذا التردّد ويحصل لهم الشكّ الحقيقي ؟ !
وهذا هو بالضبط ما حصل في علم الرجال ، فنحن نملك علماً حقيقيّاً بوجود حالات معتدّ بها أعملوا فيها الحدس ، ونملك - إلى جانب ذلك - احتمالًا قويّاً بحالات أخَر أن يكونوا استخدموا فيها مناهج الحدس والاجتهاد ، ومع العلم الإجمالي الحقيقي بوفرة هذه الموارد ، وعدم وجود سبيل لنا للتمييز بينها في كثير من الحالات - على حدّ تعبير بعض المعاصرين « 1 » - كيف لنا أن نجري أصالة الحسّ ؟ وما هو المنبّه لوجود مثل هذه الأصالة في حياة العقلاء في مثل هذا النوع من الشكوك ؟ ويكفي الشكّ لنفي ذلك ؛ لأنّ السيرة دليل لبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقّن .
وأمّا ما ذكره السيّد الصدر من الغلبة أو ادّعاء أنّ ظاهر الخبر تصديقاً هو الحسيّة ، فإنّه لا يجري هنا :
أ - لأنّ الغلبة لا تقاوم حالة الشكّ الحقيقي ؛ إذ القوّة الاحتماليّة في الغلبة معارضة بالقوّة الاحتماليّة الموجودة في معطيات هذا الشك والدوران في المورد ، وإنما تنفع الغلبة حيث يكون الشكّ افتراضياً ، إذ يحصل منها الاطمئنان المتكوّن من عدم الالتفات .
ب - وأما ادّعاء أنّ ظاهر الأخبار هو الحسيّة ، فهو صحيح بلحاظ مضمون الخبر ، لا بلحاظ كيفية حصول المُخْبِر عليه ، وإلا عاد إلى الغلبة .
ج - وأما الحديث عن أنّ مقتضى وثاقة الراوي حسيّة خبره ؛ لوجود ظهور تصديقي
هامش
( 1 ) ( ) انظر : محمد رضا السيستاني ، قبسات من علم الرجال 1 : 12 .