في أنّ المتكلّم في الإخبارات التي من شأنه إدراكها بالحسّ ظاهرُ حاله أنّه بداعي الإخبار عن حسّ ، فهذا غير واضح في الشكّ الحقيقي ، ونحن لا نلمسه بوجداننا ، فهل تشعر - مع تردّدك في المنهج الذي اعتمده الرجالي مثلًا - هل تشعر بأنّ ظاهر كلامهم هو الحسيّة ؟ ! وإذا قلنا : إنّ علماء الرجال إخباراتهم حدسيّة هل يكون في ذلك طعنٌ في وثاقتهم عرفاً ؟ وبالتالي فهذا كاشف عن عدم صيرورة إخباراتهم بمثابة قولهم : نخبر حسّاً بكذا وكذا في وثاقة زيد أو ضعف عمرو .
نعم ، في بعض الحالات التي لها قرائنها الخاصّة قد يحصل ذلك ، كما في حالة شهادة الشاهد في المحكمة ؛ فإنّ إدلاءه بالشهادة ضمن سياق محاكمة شخص آخر لابدّ فيها من الحسيّة ، فاعتماده على الحدس فيه إخلال بالظهور الحالي الآتي من التباني القانوني على لزوم الشهادة الحسيّة في المحاكم ، فيحصل ظهور تصديقي أنّه يخبر عن حسّ ، ومن ثم فيخدش ذلك في وثاقته لو كان علمه عن حدس ، ولكنّ هذا الأمر لا يسري إلى تمام الإخبارات المتداولة بين العقلاء ، بحيث إذا أدلى بخبرٍ حدسيّ أو غير مكتمل الحسيّة - مع عدم قيام شواهد على المفروغيّة عن شرط الحسيّة في هذا النوع من الإخبار - يكون كاذباً أو فيه شبهة الخدش في وثاقته ، كما قد يستوحى من كلام السيد الصدر ، على أساس أنّ جملة : « زيد مات » ، معناها : أني أدركت حسّاً أنّ زيداً قد مات . وهل هناك تبانٍ بين قدامي الرجاليين في أن لا يخبروا عن الوثاقة إلا عن حسّ ؟ ! وأين هي قرينته وقد رأينا لهم تطبيقات كثيرة مارسوا فيها الحدس ؟ ! وهكذا الحال في اللغويّين وغيرهم .
فسبب الاشتباه هنا ، كما في العديد من تفسيرات الأصوليّين للبناءات العقلائيّة ، أنهم لم يميّزوا بين حالات الشك الافتراضي الذي هو شكّ في المنطق التجريدي ، لكنه لا يعوّل عليه في السِّيَر والحياة العقلائيّة ، وحالات الشك الحقيقي المنطلق من وجود شواهد وإمكانيات تسمح بولادة احتمال عقلائي معتدّ به بالحدسيّة ، فذهاب جملة من العلماء الكبار في علم الرجال إلى القول بحدسيّة ولو نسبة معتدّ بها من إخبارات متقدّمي
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 41
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١