للمرتكزات العقلائيّة ، وهو أمرٌ يقرّ به غير واحدٍ من الأصوليّين ، فهل يقبل الوعي العقلائي بهذه التجزءة ويراها معياراً ؟ !
ثانياً : بصرف النظر عما تقدّم ، إذا أخذنا الطرف الثاني من السلسلة ، منطلقين من طرفنا ، فإنّ هذا الخبر لا يُلاحظ بنفسه من حيث وثاقة راويه المنطلقة من صدقه والوثوق بكلامه ، حتى تطاله أدلّة الحجيّة لوحده ، فيتحقّق المطلوب ، وإنما المفروض أخذه بما هو ثابتٌ أصلُ تحقُّقه بدرجةٍ ظنّية ناقصة ، فالثبوت التعبّدي لخبرٍ لا يعني أنّ خبرَ عمرو صار وجدانياً ، الأمر الذي يستدعي في باب الوثوق التمييز بين خبر زيد وخبر عمرو ؛ لأنّ الوثوق بخبر زيدٍ أقوى منه بخبر عمرو ، لا لأنّنا نكذّب عمرواً ، بل قد يكون أكثر ثقةً من زيد ، بل لأنّ خبره الظنّي وقع في طول خبرٍ ظنّيٍّ آخر ، فثبت موضوع خبره بسبيلٍ ظنّي ، وهكذا كلّ واحدةٍ من الوسائط صعوداً إلى النبيّ أو الإمام ، يكون ثبوتها لنا أضعف ، فلا يصحّ أن نفصل الوسائط فنصفّها في عرض بعضها بعضاً وكأنّها تشبه بعضها تماماً .
وهذا يعني أنّ ادّعاء أنّ كلّ روايةٍ من روايات الوسائط هي في ذاتها واجدةً للموثوقيّة غير دقيق دائماً ، فهذا يشبه قولنا : إنّنا سمعنا مباشرةً من تمام هذه الوسائط ، وهو خُلف ، فهنا حصل خلطٌ بين الثبوت الوجداني لخبر الواسطة والثبوت التعبديّ ، أي الثبوت في طول الثبوت ، فنُسيت الموثوقيّة وتمّ التعامل مع الخبر بطريقة الدليل التعبّدي .
ثالثاً : إنّ إرجاع الخبر ذي الواسطة إلى الخبر بلا واسطة هو ممارسة للطريقة المتقدّمة عينها ، وتفكيكٌ للسلسلة بدل النظر إليها نظرةً مترابطة . وافتراضُ أنّ الوسيط يمكنه القول : لو لم يكذب الوسيط الثاني فالإمام قال كذا ، افتراضٌ غريب ؛ لأنّ الشرط هنا وإن ثبت تعبّداً لكنّ الثبوت التعبدي - لا سيما على نظريّة الوثوق - معناه حصول الوثوق بصدوره ، وهذا يتمّ في طرف السلسلة من ناحيتنا ، أما الشخص الثاني في السلسلة فلا يتمّ فيه الثبوت التعبّدي إلا إذا حصل الوثوق حسب الفرض ، ونحن نبحث شكل
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 309
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٠٩