أما سنداً ؛ فلأنّه لا موجب لسقوطها عن الحجيّة ، إلا على كلام سيأتي .
وأما دلالةً ؛ فلأنّ العبرة بالظهور ، والمفروض انعقاده ، بناء على حجيّة الظهور الظنّي .
هذا ، وقد فصّلنا الكلام في هذه النقطة عند الحديث عن نظريّة الوهن الدلالي ، وطرحنا هناك بعض التفصيلات لهذه المسألة ، فلتراجع .
ومجرّد أنّ الراوي أعرف بالملابسات ومعاني الكلام لا يكفي على إطلاقه ؛ لاحتمال أنّ الرواي مارس اجتهاداً بالجمع بين النصوص ، علماً - وهذه نقطة مهمّة - أننا لا نجزم في كثير من الأحيان بأنّ هذا الراوي قد روى هذا الخبر فعلًا أو تبنّى هذا المذهب حقاً ، فأغلب مذاهب الصحابة إنما عرفناها بروايات نقلت عنهم ، وكثيرٌ منها غير تام السند ، ولم نحرز مذهبهم بالقطع واليقين ، فما هو الموجب لترجيح ظنٍّ آتٍ من الخبر على ظنٍّ مثبتٍ لمذهبهم ؟ !
هذا كلّه ، إن لم نقل بأنّ تعارض الخبرين الحاكمين بموقف الراوي وروايته ، قد يُفقدنا الوثوق بواحدٍ منهما أو بهما معاً ، بحيث لو جزمنا - مثلًا - بموقفه فقد يؤدّي بنا ذلك إلى الشك في صدق الناقلين عنه هذه الراوية ، فلعلّها مكذوبة على لسانه ، وهذا احتمال قد يتقوّى في بعض الحالات ، كما قد يتقوّى عكسه في حالاتٍ اخر .
وعليه ، فالحقّ في هذه المسألة مع الجمهور ، لا مع الأحناف .
الكلمة الرابعة : إذا كان الخبر نصّاً في معنى ، اخذ بالخبر أيضاً ، إلا إذا انهار اليقين بالمعنى وجداناً نتيجة مخالفة الراوي ، فيجري هنا عين الكلام المتقدّم في حالة الظهور ، فالحقّ هنا مع الجمهور أيضاً لا مع الأحناف ، وتفصيله تقدّم في نظرية الوهن الدلالي .
ولَنِعْمَ ما قال الشافعي هنا من جملة مهمّة - كما ينقلها عنه الآمدي في الإحكام « 1 » - : « كيف أترك الخبر لأقوال أقوامٍ ، لو عاصرتهم لحاججتهم ( لحججتهم ) بالحديث ؟ ! » .
هامش
( 1 ) ( ) الآمدي ، الإحكام في أصول الأحكام 2 : 115 ؛ وانظر : الزركشي ، البحر المحيط 3 : 425 .