تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
الكلمة الخامسة : ينبغي أن يُعلم أنّ مخالفة الراوي لروايته لا تدلّ على فسقه ، فلو روى في حرمة شيءٍ خبراً ، ثم أفتى بالوجوب ، أو فعل ذلك الشيء ، فهذا ليس دليلًا على فسقه ؛ إذ لعلّه اجتهد بين النصوص وحمل هذا النص على معنى يختلف عما فهمناه ، أو لعلّه نسي روايته هذه ، وهو أمرٌ محتمل جداً ، فلا يصحّ إسقاط الوثاقة ولا العدالة عن الراوي بذلك ما لم يقم شاهد إضافي ، لا سيما مع احتمال - يأتي أحياناً « 1 » - في أنّ مذهب الراوي قد نُقل عنه ، قبل أن تصله الرواية ، فلعلّه بعدما وصلته عدل عن مذهبه ، وهذا الاحتمال يؤثر على أصل الموقف هنا أيضاً ، ويعزّز ما أسلفناه . الكلمة السادسة : بالنسبة للرواة والمحدّثين اللاحقين مثل أصحاب الكتب الحديثيّة ، لو نقلوا الروايات وعملوا بخلافها ، فهذا لا يضرّ ؛ لانفتاح مجال الاجتهاد جداً عندهم من جهة ، فلعلّهم - مثل الطوسي والصدوق والمفيد وأئمّة المذاهب السنّية - عدلوا عن الظاهر لشيءٍ ظنّوه قرينة ، أو لخبرٍ آخر قدّموه عليه نتيجة مبرّر ما ، أو لأنهم رأوه يخالف الإجماع ، أو لغير ذلك . وكثيرٌ من المحدّثين القدامى كان هدفه جمع التراث الحديثي ، وليس نقل خصوص ما تبنّاه وعمل به ، فليس كل ما رووه يقتنعون به في اجتهادهم ، فقد لا يكون تامّ السند عندهم أو يكون له معارض يأخذون به ، وإنما رووه لحفظ التراث لا اعتقاداً أو للعمل به . والنتيجة : إنّ الذي يبدو لنا هو أنّ الصحيح في تمام الصور والحالات ، هو الأخذ بالخبر وترك مذاهب الرواة والمحدّثين ، إلا إذا حصل جبرٌ أو وهن في الدلالة يغيّر الموقف ، طبقاً للتفصيل الذي ذكرناه في مباحث نظريّتَي الجبر والوهن . وبهذا يظهر أنّ ما طرحه الإماميّة تحت عنوان الجبر والوهن السندي أو الدلالي ، أوسع دائرةً ممّا طرحه أهل السنّة هنا تحت عنوان : مخالفة الراوي لما يرويه ؛ فالمنهجيّة الشيعيّة أفضل وأوسع وأدقّ ، ونجد أنّه من المناسب اختيارها خاصّة بالتوسعة في العنوان على
هامش
( 1 ) ( ) طرح هذا الاحتمالَ ابنُ حزم في الإحكام 2 : 150 .
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 290 | حيدر حب الله