وهذه الملاحظة الميدانيّة صحيحة في كثير من الموارد ، لا في جميعها ؛ لأننا قلنا سابقاً بأنّه لا يُشترط في إحراز الاستناد التصريحُ بالاستناد من قبلهم ، بل إذا كانت الفتوى - وبالتحليل والمتابعة - ممّا لا يُحتمل عادةً أن يكون لها مدرك غير هذه الرواية ، فإنّه قد يحصل الاطمئنان بذلك ، فالملاحظة التطبيقيّة التي أثارها الخوئي تامّة في الجملة وعلى نطاق ليس بالقليل ، لكنّها لا تشكّل عائقاً في جميع الموارد .
هذا مضافاً إلى ما ذكره السيد السيستاني ، من أنّه كانت هناك كتب استدلاليّة قبل المبسوط ، مثل كافي الكليني الذي يعبّر عن آرائه ، والفقيه للصدوق ، وبعض كتب المرتضى والمفيد وغيرهما « 1 » . وكلام السيد السيستاني هنا تامّ لا غبار عليه ، وهو لا يثبت الموجبة الكليّة ، بل يهدم السالبة الكليّة التي طرحها الخوئي .
وثمّة إشكاليّة أخرى يطرحها الشهيد الثاني ، ويلوح من المحقّق الإصفهاني القبول بها بشكلٍ ما « 2 » ، حين يقول الشهيد الثاني في نصٍّ بالغ الأهميّة : « إنّا نمنع من كون هذه الشهرة التي ادّعوها ، مؤثرةً في جبر الخبر الضعيف ؛ فإنّ هذا إنّما يتمّ لو كانت الشهرة متحقّقةً قبل زمن الشيخ رحمه الله ، والأمر ليس كذلك ، فإنّ من قبله من العلماء ، كانوا بين مانعٍ من خبر الواحد مطلقاً ، كالمرتضى والأكثر ، على ما نقله جماعة ، وبين جامع للأحاديث من غير التفاتٍ إلى تصحيح ما يصحّ ، وردّ ما يردّ . وكان البحث عن الفتوى مجرّدةً - لغير الفريقين - قليلًا جداً ، كما لا يخفى على من اطّلع على حالهم . فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ على وجهٍ يجبر ضعفه ، ليس بمتحقّق ، ولما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية ، جاء من بعده من الفقهاء ، واتّبعه منهم عليها الأكثر ، تقليداً له ، إلا من شذّ منهم ، ولم يكن فيهم من يسبر الأحاديث ، وينقّب على الأدلّة بنفسه ، سوى الشيخ المحقّق ابن إدريس ، وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقاً ، فجاء المتأخّرون
هامش
( 1 ) انظر : السيستاني ، مباحث الحجج : 276 ، بقلم : الرباني .
( 2 ) انظر : نهاية الدراية 2 : 400 - 401 .