بعد ذلك ووجدوا الشيخ ومن تبعه ، قد عملوا بمضمون ذلك الخبر الضعيف ، لأمرٍ ما رأوه في ذلك ، لعلّ الله تعالى يعذرهم فيه ، فحسبوا العمل به مشهوراً ، وجعلوا هذه الشهرة جابرةً لضعفه . ولو تأمّل المنصفُ ، وحرّر المنقب ، لوجد مرجع ذلك كلّه إلى الشيخ ، ومثل هذه الشهرة لا تكفي في جبر الخبر الضعيف . ومن هنا ، يظهر الفرق بينه وبين ثبوت فتوى المخالفين ، بإخبار أصحابهم ؛ فإنّهم كانوا منتشرين في أقطار الأرض ، من أول زمانهم ، ولم يزالوا في ازدياد . وممن اطّلع على أصل هذه القاعدة - التي بيّنتها وتحقّقتها - من غير تقليدٍ : الشيخُ الفاضل المحقّق سديد الدين محمود الحمصي ، والسيدُ رضي الدين ابن طاووس ، وجماعة » « 1 » .
وقد أورد العلامة المامقاني وغيره على الشهيد الثاني بأنّ الاشتهار بعد زمان الشيخ لا يضرّ بحصول الوثوق ؛ لكثرة القرائن التي كانت بين أيديهم ، والتهمة التي اتّهم بها من تأخّر عن الشيخ لا تليق ، بل الاشتهار قبل زمن الشيخ ينفعنا أكثر إذا كانوا منكرين لخبر الواحد ؛ إذ هذا معناه أنّهم لم يعملوا بهذا الخبر إلا ليقينهم بصدوره ، وكثيرٌ من أخبار الآحاد التي بين أيدينا اليوم عمل هؤلاء بها « 2 » .
وبصرف النظر عن التفصيل التاريخي الذي تحدّث عنه الشهيد الثاني ، فإنّ ما أثاره المامقاني من أنّ إنكارهم لخبر الواحد يقف لمصلحة القائل بالجبر أكثر من غيره ، صحيحٌ ، وفي الوقت عينه يظهر لي أنّ الشهيد الثاني كان يُسقط طريقة تفكير مدرسته في التعامل مع الأحاديث بالمعايير السنديّة والرجاليّة على سلوك القدماء وعلى نظريّة الجبر ، فأراد بذلك أن يقول بأنّ عملهم لا يفيد تصحيح السند ؛ لأنّهم لا يبحثون عن صحّة السند ، بل يبحثون عن اليقين بالصدور من أيّ طريق أتاهم ، ومن ثمّ لو صحّ المنطلق الذي انطلق منه الشهيد الثاني لم يصحّ إشكال المامقاني عليه ، لكنّ المامقاني حيث انطلق في
هامش
( 1 ) الرعاية : 74 - 75 .
( 2 ) انظر : مقباس الهداية 1 : 159 - 161 ؛ والكجوري الشيرازي ، الفوائد الرجاليّة : 189 - 190 .