فقد تكرر ذلك في عدة مناسبات وأولها تمثيله للبلاغة في أول كتابه ، قال - وهو في ذلك الصدد - :
فمن معنى كلامه ارتوي كل مصقع خطيب ، وعلى منواله نسج كل واعظ بليغ ، إذا كان عليه السلام مشرّع البلاغة ، وموردها ، ومحط البلاغة ، ومولدها ، وهيدب مزنها الساكب ، ومتفجر ودقها الهاطل ، وعن هذا قال أمير المؤمنين في بعض كلامه : نحن أمراء الكلام ، وفينا تشبثت عروقه ، وعلينا تهدلت أغصانه ، ثمّ أورد مثلًا من أول خطبة في نهج البلاغة ، وقال : العجب من علماء البيان والجماهير من حذاق المعاني ، كيف أعرضوا عن كلامه وهو الغاية التي لا مرتبة فوقها ، ومنتهى كل مطلب ، وغاية كل مقصد ، في جميع ما يطلبونه ، من المجازات والتمثيل والكنايات ؟ !
وقد أثر عن فارس البلاغة ، وأمير البيان ، الجاحظ ، أنّه قال : ما قرع سمعي كلام بعد كلام اللَّه ، وكلام رسوله إلّاعارضته ، وإلّا كلمات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم اللَّه وجهه - فما قدرت على معارضتها ، وهي مثل قوله : « ما هلك امرؤ عرف قدره » و « استغن عمّن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره » .
6 - الأستاذ محمد محي الدين عبد الحميد :
« نهج البلاغة » هو ما اختاره الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الكتاب الذي ضم بين دفّتيه عيون البلاغة وفنونها ، وتهيأت به للناظر فيه أسباب الفصاحة ، ودنا منه قطافها ، إذ كان من كلام أفصح الخلق ، بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله منطقاً ، وأشدهم اقتداراً ، وأبرعهم حجّة ، وأملكهم للغة يديرها كيف شاء ، الحكيم الذي تصدر الحكمة عن بيانه ، والخطيب الذي يملأ القلب سحر بيانه ، والعالم الذي تهيأ له من خلاط الرسول ، وكتابة الوحي ، والكفاح عن الدين بسيفه ولسانه منذ حداثته ، ما لم
في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 438
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٤٣٨