تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
بلوعة الواقع وحرارة الحقيقة ، والشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع ؛ متآلفٍ يجمع بين جمال الموضوع وجمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول ، أو الشكل بالمعنى ، اندماج الحرارة بالنار ، والضوء بالشمس ، والهواء بالهواء ؛ فما أنت إزاءه إلّا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر ، والبحر إذا يتموّج ، والريح إذ تطوف ، أو قبالَةَ الحدث الطبيعي الذي لابدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة التي لا تُفرّق بين عناصرها إلّالتمحو وجودها وتجعلها إلى غير كَون ! بيانٌ هو من مشاركة الحسّ السمعي للعقل بحيث يحول لك المعاني إلى أنغام هي في حدّ ذاتها المعاني الكاملة كما تشاء الطبيعةُ الحيّة وتريد . وهو من مشاركة الحسّ النظري للعقل بحيث يحول لك المعاني إلى لوحات فنية لها خطوطها وأشكالها وألوانها ، فإذا بك من ذلك في عالم زاخر بروائع الفن تمتازج به صور وموسيقي ، وأنغام وألوان ! بيان لو نطق بالتقريع لا نقضّ على لسان العاصفة انقضاضاً ، ولو هدّد الفساد والمفسدين لتفجّر براكين لها أضواء وأصوات ، ولو انبسط في منطق لخَاطَبَ العقول والمشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجةٍ غير ما ينبسط فيه ، ولو دعا إلى تأملٍ لرافق فيك منشأ الحسّ وأصل التفكير فساقك إلى ما يريده سوقاً ، ووصلك بالكون وصلًا ، ووحّد فيك القوى للاكتشاف توحيداً ، وهو لو رعاك لأدركت حنان الأب ومنطق الأبوة وصدق الوفاء الإنساني وحرارة المحية التي تبدأ ولا تنتهي ! أمّا إذا تحدث إليك عن بهاء الوجود وجمالات الخلق وكمالات الكون ، فإنّما يكتب على قلبك بمداد من نور النجوم ! بيانٌ هو بلاغةٌ من البلاغة ، وتنزيل من التنزيل ! بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه وما يكون ، حتى قال أحدهم في صاحبه : « إنّ كلامه دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوق ! » « 1 » .
هامش
( 1 ) كتاب « الإمام علي صوت العدالة الإنسانية » چورچ جرداق . وقد قمت بترجمة الكتاب إلى اللغة الفارسية وطبع للمرة العاشرة في خمسة مجلدات وفي ألفين وخمسمائة صفحة . .