اليوم قد جرّب النظام الرأسمالي الذي جاء على أنقاض النظام الإقطاعي أو النظام التجاري ليحاول أن يرسم للإنسان جنّة الحرية الموعودة ، ويصوّر له آفاقاً إنسانية جديدة ، إلى ما هنالك من ادعاءات جوفاء أسكرت البشرية على أحلام النظام الرأسمالي .
ولكن البشرية رأت بعد فترة وجيزة أنّ هذا النظام زاد من بؤسها وحرمانها ، وحوّلها إلى أدوات طيّعة أمام الرأسماليين الكبار وآلاتهم الضخمة ، وصحت البشرية على وحش هائل ، يتحكّم بكلّ الوجود الاجتماعي باسم الحرية السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية ، وينطلق بجشعه إلى العالم الآخر ، إلى العالم البئيس ، فيمتصّ خيراته ووجوده ، يعتصر دمه ويتركه يباباً . هكذا واجهت البشرية في النظام الرأسمالي أشرس الوحوش ، وهنا انطلقت دعوات الماركسية البراقة للعمّال بالانتصار على مستعبديهم ، وراحت تبني هذه الوعود على ضوء حتمية تاريخية استنتجتها من تحليل - تسمّيه علمياً - للتاريخ ، وما فيه من العلمية شيء ، وإنّما هو تعبير عن مجرد تجميع مصاديق تؤكّد القانون الذي أريد له أن يكون قانون التاريخ ، ثم راحت بعد هذا تعمّق علميتها لتبني قوانين التاريخ نفسه على قوانين كونية عامة تسير وفق مبادئ الديالكتيك الماركسي .
كلّ هذا مع وعود معسولة بالجنّة التي لا جنّة مثلها ، وجاءت جنّة الماركسية فإذا بها تزرع بالسيوف والدماء والحديد النار ، وإذا بالاستعباد على أشدّه ، وإذا بالطوق الحديدي المفروض على الشعوب يضيق عليها الخناق حتى لتنسى أنّها من صنف البشر !
إنّ البشرية قد تعبت من الإمبريالية الاشتراكية ، كما تعبت تماماً من الإمبريالية الرأسمالية ، وليست مأساة أفغانستان بأقلّ مرارة من مأساة فيتنام . . . رغم أنّها ما تزال في البداية .
في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 385
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص٣٨٥