تشكيل المجتمع ، وجعل البشرية على هيئة شعوب وقبائل مختلفة ، يساعد على تحقّق التعارف الذي هو العلّة لوجود هذا الاختلاف بين الشعوب ، ولكن التعارف المشار إلى له يمتحقّق على أساس الفرقة والابتعاد والتعالي على الناس ، بل يقوم على أساس التقوى والتفاهم والتقارب والحوار : « تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً » « 1 » .
وعليه فإنّ التعارف لا يعني إلّاالوحدة الواعية ، وهذا المستوى من التعارف القائم بالوحدة لا يتأتّى إلّامن قاعدته التي تتجسّد في الفكر المحكم والمحبة الصادقة ، لا الجهل ولا العصبية ولا المصالح السياسية الضيّقة أو الدنيوية .
لقد طرح الإسلام ثقافةً خاصةً للوحدة ، وأطّرها بقيم أخلاقية ، تشكّل بمثابة نهج عمل وتغيّر ، ونلاحظ الخطاب الإسلامي لذويه بخصوص العلاقة مع الذين يختلفون مع الاسلام قد ركّز على الحوار كأسلوب لدعوة الآخر ، وعدم فرض الفكرة عليه ، قال تعالى : « لَاإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » « 2 » وحين نتفحّص القيم الإسلامية بهذا الخصوص نجدها قد ندّدت بالفرقة والاختلاف ، قال تعالى : « وَلَاتَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » « 3 » ثم الأمر من جهة أخرى بضرورة الالتحام والاعتصام ، فقال : « وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ » « 4 » .
والملاحظ لتلك القيم التي قدّمها الإسلام للوحدة سينتهي بأ نّها لم تكن قيماً نابعة من التعصّب الأعمى ، أو تقودها الأغراض والمصالح الفئوية أو السياسية .
ثم نجد الإسلام يوسّع من دائرة مفهوم الوحدة ويفصّل في أبعاده ، حيث أراد الإسلام من الوحدة أن تنطلق من الأهداف الكبرى للدين ، لا من الأجواء
هامش
( 1 ) آل عمران : 64 . .
( 2 ) البقرة : 256 . .
( 3 ) الأنفال : 46 . .
( 4 ) آل عمران : 103 . .