نظام ، ولكن تدخل الإرادة لتعمد أحياناً لتخريب هذا النظام عبر السفك للدماء ، وإشاعة الظلم ، ومع ذلك يبقى طموح تحقيق الوحدة الإنسانية مطلب الجميع لوجود الهمّ المشترك النابع من الأصل في الخَلق والمآل ، ولذا نجد القرآن الكريم قد خاطب الإنسانية ودعاها إلى هذا المعنى ، ولم يحصر خطابه لأمة معلومة أو زمن محدود ، كلّ ذلك من أجل هضم الإنسانية وصهرها باتجاه الهدف الذي يحقّق لها الكمال اللائق بها .
وإذا كانت الوحدة ذات قيمة فطرية ومطلب إنساني رافق المسيرة البشرية على طول الخطّ ، والاسلام ما جاء إلّارحمة للعالمين ؛ فمن الطبيعي قد تتضمّن رسالته المطالبة بالوحدة والتقريب والعدل ، والعلاقة على أساس المشتركات الإنسانية .
فلو تأمّلنا الآية الكريمة : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ » « 1 » لوجدنا أنّ الآية تشير إلى الوحدة في الأصل الذي لا يتعرّض للتبديل ، فالانسان مهما اختلفت حضارته ومتبنّياته الفكرية أو الدينية يبقى يحمل صفة الإنسانية ، وله مشترك مع الإنسان الآخر ؛ لأنّهما جُبلا بهيئة واحدة ، فالميل الجنسي من قبل الذكر نحو الأنثى وبالعكس حالة تكوينية ، فلا تقوى أطروحات الضلال المخالفة للفطرة أن تعاكسها ، ولا أن تضع بديلًا عنها « فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ » « 2 » .
فالأصل التكويني الثابت الذي صرّحت به الآية : « خَلَقْنَاكُمْ » يدفع بالإنسان تلقائياً نحو أخيه الإنسان من جهة الجعل التي هي امتداد لجهة الخلق ، لغرض
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 . .
( 2 ) الروم : 30 . .