وبعد أن مضى الامام أمير المؤمنين عليه السلام إلى ربّه شهيداً ، وضع ائمتُنا الآخرون مصالح المسلمين العليا نصْب أعينهم ، ورجّحوا مصلحة المجتمعات الإسلامية على ما سواها ، حتى بلغ بهم الايثار بالنفس والفداء حداً دفعهم إلى إبرام عهد الصلح مع معارضيهم والغاصبين لحقهم ، وقبلوا ولاية العهد ، عسى أن تتاح لهم الفرصة لإحقاق الحق ، أو أن لايسمحوا - على الأقل - للبنيان الرسالي أن يهتزّ امام العدوّ المشترك .
كانت التوجيهات الحاسمة والصريحة التي أدلى بها أئمة الشيعة في تلك العصور ، تؤشر على الطريق المهيع الواضح ، والنهج السياسي والاجتماعي ، الذي اختاروه لشيعتهم في اطار ما يتلاءَم مع ظروف تلك البرهة من الزمان .
وهذا هو التأريخ خير شاهد على أن شيعة صدر الإسلام لم ينقطعوا أبداً ، ولا برهة ، عن صفّ الأكثرية ( الصف الإسلامي العام ) في ممارسة النشاط الاجتماعي ، بل مضوا بجد ومثابرة إلى كل ما يخدم تقدم المسيرة الإسلامية بفاعلية ، وكان لهم حضورهم في حروب الفتوحات ، وشاركوا في الثورة على الأنظمة الطاغوتية في عصرهم ، وبذلوا في هذا السبيل الأرواح والأموال ، ولم يتوانوا عن شيء من التضحيات .
لم يكن قد ظهر في مجتمعات ذلك الزمان التضاد بين الباطن والظاهر ، والازدواج بين الفكر والعمل ، بالشكل الذي يتجلى فيه اليوم ، ونراه رأي العين في مجتمعاتنا - وذلك اثر جهل بعضهم ممن يؤثر التضحية بالمبدأ لحساب المصالح الشخصية - وبالتالي لم يأخذ أتباع الأئمة وأولياؤهم المخصلون ، التشيّع مغنماً ووسيلة للارتزاق ، بحيث يدفعهم ذلك للتخلف عن تعاليم الامام !
فحينما يدعو الإمام الصادق عليه السلام الشيعة إلى الاندماج مع بقية المسلمين ، والمسامهة في النشاط العام ، وعدم التخلف عن المسار الكلي الذي ينتظم المسلمين ، ألا يكون التخلف عن ذلك ، التعلل بالأهواء والفهم المنحرف ، سوى مخالفة لحكم اله ورسوله ؟
في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 182
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٨٢