ثقافتها بما تحتويه من لغة وتقاليد من الغزو القادم ، مثلما فعلت فرنسا - على سبيل المثال - في حماية نفسها من الثقافة الأميركية ، رغم أنّ الشعوب الأوربية بعامة متقاربة مع بعضها في الكثير من المفاهيم الأخلاقية ، فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بالشرق ، والبون الشاسع الذي يفصله عن الغرب في ثقافته ، وفي علاقاته الاجتماعية ، وفي حضارته ، وفي دينه ، وفي كلّ مفردة من مفردات حياته ؟
هذا التقاطع الذي يراد له أن يتلاشى لصالح الطرف الأقوى في ميدان النزال ، إضافة إلى عامل الثورة التكنولوجية في عالم الاتصالات ، ومظاهره المتمثّلة في العولمة بكافّة أوجهها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وفي هيمنة النظام السياسي المعروف بنظام القطب الواحد ، والنظام الاقتصادي المعروف بنظام السوق عبر تنظيمات دولية ، هي في الأساس تستلّ مفاهيمها من الغرب ، والنظام الاجتماعي المنحلّ ، كلّ هذه فرضت جملة من التحديات الجديدة في عالم الشرق كان وإلى وقت قريب في منأى عنها ، لما كان الاستعمار محدوداً بالفرد وليس بالفكر ، وبالقوة العسكرية وليس بالهيمنة الثقافية والسلطة الاجتماعية ؛ جعلتها أمام واقع جديد يفرض بدوره التحلّي بقدر من الوعي للتعامل مع هذه الظاهرة ، ما يملي على إنسان الشرق أن لا يقف مكتوف الأيدي ، مغلوباً مسلوب الإرادة أمام ما يواجهه من مخاطر تهدّد هويته وأصالته وفكره ، وأن يتّجه صوب أيّ عامل من شأنه أن يفرز موقفه تجاه الرياح العاتية التي إن غزته لن ترحمه ؛ ولن توفّر له أصلًا أو فرعاً إلّاوأتت عليه لتنزعه من قالبه الشرقي ، بما يحمله من أفكار ومفاهيم وتقاليد وأعراف توارثها عبر مئات بل آلاف السنين ، وتضعه في إطار غريب عليه يسلبه كل هذا التراث ولا يعطيه بديلًا مناسباً ، فيضيع هو وأجياله اللاحقة في متاهات وأودية مظلمة ، وتجعله عائماً دون أسس يرتكز عليها .
ومن تلك العوامل التي قد يبحث عنها بوعيه المطلوب : اكتشاف العناصر
في سبيل الوحدة والتقريب — صفحة 162
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٦٢