مثل القرآن أو أكثر . ألا وإني حرمت كل ذي ناب من السباع » . فبين أنه أنزل عليه وحي آخر وهو الحكمة غير الكتاب . وأن الله حرم عليه في هذا الوحي ما أخبر بتحريمه ولم يكن ذلك نسخا للكتاب ؛ فإن الكتاب لم يحل هذه قط . إنما أحل الطيبات وهذه ليست من الطيبات وقال : « يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم » . فلم تدخل هذه الآية في العموم ؛ لكنه لم يكن حرمها ؛ فكانت معفوا عن تحريمها ؛ لا مأذونا في أكلها . وأما " الكفار " فلم يأذن الله لهم في أكل شيء ولا أحل لهم شيئا ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه ؛ بل قال : « يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا » . فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالا ؛ وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به ؛ فلم يأذن لهم في أكل شيء إلا إذا آمنوا . ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكا شرعيا ؛ لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشارع صلى الله عليه وسلم والشارع لم يبح لهم تصرفا في الأموال إلا بشرط الإيمان ؛ فكانت أموالهم على الإباحة . فإذا قهر طائفة منهم طائفة قهرا يستحلونه في دينهم وأخذوها منهم ؛ صار هؤلاء فيها كما كان أولئك . والمسلمون إذا استولوا عليها ، فغنموها ملكوها شرعا لأن الله أباح لهم الغنائم ولم يبحها لغيرهم . ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض بالقهر الذي يستحلونه في دينهم ويجوز أن يشتري من بعضهم ما سباه من غيره ؛ لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات . ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم إلى المسلمين " فيئا " ؛ لأن الله أفاءه إلى مستحقه أي : رده إلى المؤمنين به الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته ؛
الإيمان — صفحة 44
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤