الدنيا وهذا المثل مضروب لبعضهم وهم الذين آمنوا ثم كفروا . وأما الذين لم يزالوا منافقين فضرب لهم المثل الآخر وهو قوله : « أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق » وهذا أصح القولين . فإن المفسرين اختلفوا هل المثلان مضروبان لهم كلهم أو هذا المثل لبعضهم ؟ على " قولين " . و " الثاني " هو الصواب لأنه قال : « أو كصيب » وإنما يثبت بها أحد الأمرين ؛ فدل ذلك على أنهم مثلهم هذا وهذا فإنهم لا يخرجون عن المثلين بل بعضهم يشبه هذا وبعضهم يشبه هذا ولو كانوا كلهم يشبهون المثلين لم يذكر ( أو ) بل يذكر الواو العاطفة .
وقول من قال : ( أو ) هاهنا للتخيير - كقولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين - ليس بشيء لأن التخيير يكون في الأمر والطلب لا يكون في الخبر وكذلك قول من قال : ( أو ) بمعنى الواو أو لتشكيك المخاطبين أو الإبهام عليهم ليس بشيء فإن الله يريد بالأمثال البيان والتفهيم لا يريد التشكيك والإبهام .
والمقصود تفهيم المؤمنين حالهم ويدل على ذلك أنه قال في " المثل الأول " : « صم بكم عمي » وقال في " الثاني " : « يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين » « يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير » فبين في " المثل الثاني " أنهم يسمعون ويبصرون « ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم » وفي " الأول " كانوا يبصرون ثم صاروا « في ظلمات لا يبصرون » « صم بكم عمي » . وفي " الثاني " « كلما أضاء لهم » البرق « مشوا فيه وإذا أظلم عليهم
الإيمان — صفحة 263
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٣